● لك دراسة حديثة بعنوان «منهج الذوق والإلهام في قراءة وتأويل القرآن» ماذا تقصد بهذا المنهج؟

- أتكلم فيه عن منهج مخصوص، وهو منهج الإلهام، بمعنى أن هناك عدة مساهمات واتجاهات في قراءة وتأويل القرآن الكريم، في الأزمنة المعاصرة كالإمام محمد عبده ورشيد رضا والطاهر بن عاشور، وضمن هذه المساهمات تأتي مساهمة الإمام بديع الزمان النورسي، التي أراها متفردة، لأنها تنتمي لمنهج الإلهام والذوق، حيث عاصر هجمات ضد أصول الإيمان فكرس حياته لخدمة القرآن وخاض هذه التجربة، والنورسي تحدث صراحة، عن أن ما كتبه هو عبارة عن إلهامات أو «سونحات»، وبالتالي فهي منهج أكثر خصوصية، في سائر الاتجاهات والمدارس التي قدمت تفاسير، وقراءات للنص القرآني في زماننا المعاصر على وجه خاص.

Ad

● هل ذلك مغاير للمناهج المعروفة في التفسير؟

- نحن نتحدث عن قراءة ملتصقة بالنص القرآني، قراءة ليست باللسان، وإنما العيش مع القرآن الكريم، بقيمه وتعاليمه، وجمع خبرات، وتجارب حياتية يعيشها الإنسان وفق هذا الهدي، فالتجربة الإلهامية، هي نتيجة للحياة بالقرآن الكريم، وللتجارب الروحية، التي تنتهي بالإنسان إلى أن يصل إلى مرحلة إيمانية، كأنما هو يتلقى وحياً عن القرآن.

● ألمس في كلامك لمحة صوفية.

- الناس ينظرون إليها نظرة صوفية، لكن هي ليست صوفية، بمعنى الانعزال عن الناس، أو تفسير الآيات بالترميز، فأنا أتحدث عن تجربة الموافقة، حيث كانت تتنزل بعض الآيات موافقة لقول بعض الصحابة رضي الله عنهم، كمصعب بن عمير وعمر بن الخطاب، والنبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أخبر عن أن بني إسرائيل كان فيهم محدثون أو ملهمون، ولو كان في أمته سيكون عمر بن الخطاب، والنص القرآني لابد أن يفرض طائفة من الملهمين، والمحدثين، لأن هذه هي خصيصة في القرآن الكريم، لأن خصيصته وإعجازه في قدرته على إنتاج منهج الإلهام والذوق.

● لكن هؤلاء لهم خصائص ومواصفات معينة؟

- بالفعل، حتى الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، قيل له «سنلقي عليك قولا ثقيلا»، لذلك تمت تربيته وإعداده، وكما قال تعالى في شأن موسى «ولتصنع على عيني»، فلابد لهؤلاء الملهمين أن يكونوا في درجات إيمانية عليا.

● هل الصلة بيننا وبين القرآن مقطوعة؟

- ما لم تتمثل قيم القرآن فأنت مقطوع عنه، حتى لو قرأته بلسانك، وإذا تمثلت بقيم القرآن وصعدت في التجربة الروحية، تستطيع أن تلهم معاني القرآن، على نحو أكثر شفافية.

● برأيك، إلى أي مدى أدت القراءة الخاطئة للقرآن إلى وجود التفرق المذهبي والخطابات المتشددة؟

- إننا نحتاج إلى قراءة جديدة، لأن الواقع المتبدل والمتسارع في التغير، يحتاج إلى فهوم متجددة للقرآن الكريم، فلا يمكن أن تفهم القرآن بنفس البيئة التي كانت في القرن السابع أو عصر الأئمة الأجلاء، طالما هذا الواقع متجدد فأنت محتاج إلى قراءات متجددة، فالنص القرآني ينطوي على منهج قراءة متجددة، لأنه منهج إلهامي، يقوم على التجارب والواقعية للناس، بهذا المعنى أنت تحتاج في كل حين وفي كل دهر إلى قراءة للنص القرآني، تصل فيها إلى إنزال المفاهيم والقيم القرآنية، في واقع الناس.

● لكن هل الفرق المتشددة ظهرت نتيجة لقراءة خاطئة للقرآن؟

- نعم، فكل المفاهيم التي انحرفت عن قيم القرآن الكريم الإنسانية، في العدل والرحمة والحق هي انعطاب عن مفاهيم القرآن الأصيلة، وهي انعكاسات لأشياء كثيرة منها النصية في فهم النص القرآني.

● ماذا عن المؤسسات الدينية؟

- الإسلام ليس فيه مؤسسات دينية، تتخذ منصب الناطق الرسمي باسم الدين، فإذا كانت هذه المؤسسات تعليمية أو تربوية، لا بأس بها، وعليها أن تكون حاضرة وفاعلة في الواقع الإسلامي، وأن تقود الناس إلى جادة الطريق، وأن تستنبط المفاهيم الإسلامية، والإنسانية من القرآن، وتنشرها بين الناس.

● هل الحوار بين الشباب والمؤسسات الدينية مفقود؟

- نعم، لأن المؤسسات الدينية مازالت تتعامل بالمنهجية القديمة، الآن تطورت مناهج التعليم ومناهج التربية، وأصبح هنالك علوم أساسية في التوجيه، مثل علم النفس التربوي، علم صناعة الإعلام أيضاً، فهذه كلها لا يستطيع رجال الدين استيعابها، هم معزولون عنها، ومنكبون على القديم، ويريدون إعادة إنتاج القديم، لذلك لن تستطيع أن تلبي احتياجات الشباب، الآن تحتاج هذه المؤسسات إلى أن تنغمس في العلوم الحديثة، ثم تستلهم قيم الإسلام، ثم تنشرها بين الناس عن طريق الأدوات والوسائل المعاصرة.

● ما وسائل إعادة الشباب إلى الصواب الديني؟

- هذا يحتاج إلى جهد كبير جدا، وتعاون المؤسسات التعليمية والدينية، لغرس قيم الدين، مثل، السلام والمحبة والتعايش في الشباب، وأن الإسلام يمنح الإنسان طمانينة وسعادة، ويمنحه علاقات إنسانية متصالحة مع النفس والحياة، والتصدي للدعاة الذين يظهرون الدين الإسلامي على أنه ضد الاستمتاع بالحياة.

● بماذا تنصح المؤسسات الدينية؟

- يجب أن تستفيد هذه المؤسسات من التقدم العلمي، وتتعاون مع العلماء في جميع التخصصات، ليكونوا جزءا من المؤسسات الدينية، فانغلاقها على نمط معين من خريجي بعض الكليات، يعوق تقدمها، فلابد أن تنفتح هذه المؤسسات على الخبرة الإنسانية المتطورة والمتسارعة، ولابد أن تنفتح على حقل الفلسفة، فهناك بعض المؤسسات الدينية في بلدان أخرى انفتحت على الفلسفة، وأحرزت تقدما في عرض وحل قضاياها، لكن المؤسسات الدينية في العالم العربي تعادي الفلسفة، بذهنية قديمة، فبعض المفكرين الفلاسفة في العالم العربي، يعرضون أفكارا إسلامية قيمة، بأفضل مما تعرضها تلك المؤسسات التقليدية.