لم تكتفِ الإدارة الأميركية بـ "الموبقة" السياسية التي اقترفها دونالد ترامب، بل ذهبت بعيداً في تحدي العرب والمسلمين، وأهل هذه المنطقة الشرق أوسطية بأغلبيتهم، عندما أعربت عن "أملها" أن تنقل الدول الحليفة للولايات المتحدة سفاراتها في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، اقتداءً بما فعلته غواتيمالا، التي وصفتها أميركا بأنها شريكتها في النصف الغربي من الكرة الأرضية.

كان، وربما لا يزال، هناك اعتقاد بأن ترامب، ومعه إدارته كلها بالطبع و"إنجيليو" الولايات المتحدة كلهم، قد أقدم على هذه "الموبقة" تمهيداً لتنفيذ ما وصفه بأنه "صفقة العصر"، وفرْض حلٍّ على الإسرائيليين يكون مقبولاً لدى الفلسطينيين والعرب... وأيضاً لدى المسلمين والمسيحيين، لكن الواضح، ورغم بعض المراهنات الإيجابية، أن الرئيس الأميركي ذاهب في هذا التحدي الأرعن حتى النهاية... وإلاّ فما معنى أن يوجه هذه الدعوة البائسة لـ "أصدقائه" وحلفائه لاتخاذ هذه الخطوة "الانتهازية"، حتى النخاع الشوكي، التي اتخذتها غواتيمالا، التي لا يعرف حتى معظم الإسرائيليين والأميركيين أيضاً أين هو مكانها على الكرة الأرضية.

Ad

إنّ الأكثر تطرفاً في إسرائيل، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، يرحبون بهذا الذي ينادي به ترامب، ويراهنون على أنه سيكون مصير حل القضية الفلسطينية، مع أنهم لو دققوا في هذا الأمر جيداً لوجدوا أن ذلك المثل القائل: "عدو عاقل خير من صديق جاهل" ينطبق على رئيس الولايات المتحدة، الذي لو أن لديه القليل من الخبرة السياسية والفطنة المفترضة في رئيس أهم وأكبر دولة في العالم لكان قال عكس هذا الذي قاله، ولدعا الإسرائيليين إلى أن يكونوا واقعيين وعقلانيين، وأن يقبلوا بـ"المساومة التاريخية" التي قَبِلَ بها الفلسطينيون والعرب، وهي "حل الدولتين"؛ أي قيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967، إلى جانب دولة إسرائيل وعاصمتها القدس الشرقية.

والمفترض أن ترامب يعرف أنّ هذا الذي يفعله ويدعو إليه بالنسبة للصراع الفعلي والحقيقي في الشرق الأوسط ليس صفقة العصر، بل صفعة العمر، بالنسبة إلى الإسرائيليين الذين لو أن نظرتهم بعيدة وتاريخية لبادروا إلى اغتنام هذه الفرص السانحة، ولقبلوا بهذه "المساومة التاريخية" التي قبل بها الفلسطينيون والعرب، فالتاريخ لا يقف عند لحظة واحدة هي هذه اللحظة الحالية المريضة، وإلا لكان "الفرنجة" –الصليبيون– قد بقوا في فلسطين حتى الآن، ولظل الفرنسيون في الجزائر، ولكانت الدولة الأموية باقية في الأندلس حتى هذه اللحظة، ولبقيت الهند بريطانية، ولظل الجيش الأحمر السوفياتي في أفغانستان، ولاستمرت الجيوش النازية في باريس، ولكانت إفريقيا بكل دولها مستعمرة حتى هذه اللحظة.

لكن الواضح أن أصحاب القرار في إسرائيل لا يرون أبعد من أرنبات أنوفهم، وأنهم لا يقرأون التاريخ جيداً، وأنهم إن هُمْ قرأوه فإنهم لا يستوعبونه ولا يفهمونه... وإلاّ فإنهم لو كانوا غير هذا لبادروا إلى رفض هذا الذي فعله ويفعله ترامب أكثر من رفض الفلسطينيين له، فهذا الحل المفروض فرضاً، في هذه اللحظة التاريخية المريضة، سيكون هو القنبلة المدمرة الهائلة التي ستتفجر حتماً بين أيدي الإسرائيليين... ويقيناً لو أن في إسرائيل عقلاء لسارعوا إلى رفض هذا الحل، لأنهم سيدفعون ثمنه لاحقاً هم وأجيالهم القادمة.