جاء ذكر سحرة فرعون، في أكثر من سورة (الأعراف، الشعراء، طه، يونس)، وتحكي الآيات تحول موقف سحرة فرعون من الكفر إلى الإيمان بالله، غير مبالين بما توعدهم به فرعون من عذاب شديد، وتقطيع أجزاء من أجسادهم وهم أحياء، مصلوبين على جذوع النخل، قائلين "رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ" (سورة الأعراف: 126).

قال عبدالله بن عباس وعبيد بن عمير: "كانوا من أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة"، وقال ابن كثير في "قصص الأنبياء": أخبر الله تعالى، عن فرعون، أنه أراد تحدي موسى ومعجزاته، فجمع السحرة من كل مكان، فاجتمع منهم خلق كثير، اختلف في عددهم، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: "كانوا سبعين رجلاً".

Ad

وحضر فرعون وأهل دولته عن بكرة أبيهم، في نهار يوم العيد، ليشهدوا هذا الموقف العظيم، وتقدم موسى عليه السلام إلى السحرة، فوعظهم وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل، الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه، وألقى السحرة أولا حبالهم وعصيهم، التي أودعوها الزئبق، وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطراباً يخيل للرائي أنها تسعى باختيارها، فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وألقوا حبالهم وعصيهم وهم يقولون "بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ" (سورة الشعراء: 44).

ثم ألقى موسى عصاه فصارت حية عظيمة تعجب منها الناس، وأما السحرة فإنهم أدركوا وتحققوا بما عندهم من العلم أن ذلك ليس سحراً وإنما معجزة إلهية، وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة وأعلنوا إيمانهم، قال تعالى: "فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى، قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى، قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلا، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى". (سورة طه: 70: 76).

قال سعيد بن جبير وغيره: "لما سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة تهيأ لهم وتزخرف لقدومهم، ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون وتهديده ووعيده".‏