قبل أن ندخل النفق وتنقطع الاتصالات مع العالم الخارجي أكتب لكم ما قد يلبث في الذاكرة لبعض الوقت، أولا لماذا قلت النفق لا الانشغالات أو الواجبات مثلا؟ الجواب: لأن تجربة السنوات الماضية تقول إن وضعنا شبيه بمن يدخل بسيارته نفقا قصيرا فيه زحمة خانقة وتنقطع عنه مؤقتا خدمة الهاتف النقال ليفقد قدرته على التواصل مع الدنيا.

نتعجل قدومه بالسؤال "متى رمضان؟" لأجل ترتيب مواعيد السفر، وعندما يهل هلاله يحضر السؤال "شفت شلون؟"، وكأن رمضان يأتينا بغتة! خلال هذا الشهر لن يعلو صوت غير أصوات الرسائل النصية المتسربلة بالإيمانيات ودعايات التلفزيون وأصوات المآذن وأبواق الغضب في الشوارع.

Ad

سيتقدم في رمضان كل ما يشغلنا عن رمضان، ولن ننجذب لأخبار العالم وما يحصل في غزة أو اليمن أو سورية كما نفعل معظم أيام السنة؛ لأننا دخلنا في النفق، ولن نخرج منه إلا بعد شهر كامل، الخير كثير والخيرون ما أجملهم، والمساجد تغص بالناس، وفي الوقت نفسه مراكز العمل وتخليص مصالح الناس تشكو من نقص المتعبدين بالعمل وإتقانه.

لقد سمعت مرارا من خبير الأرصاد عيسى رمضان عن ظاهرة زحف الفصول والتغيرات العميقة في مناخ الكرة الأرضية التي جعلت الصيف يحتل فصل الشتاء، وفترة السرايات تتطاول حتى تصل شهر مايو، لكن ما لم أتوقعه هو بروز ظاهرة زحف الشهور على حساب شهر رمضان، الجماعة لدينا ينطلقون بالتهاني والتبريكات فيه قبل أن يبدأ، ويودعونه قبل أن ينتهي، ومنهم من يسافر قبل العيد بأيام، مختلقا إجازة يتم فيها التخطيط لإجازة عيد الأضحى.

ختاما أنا لا أشكو من شيء في شهر رمضان، سوى من شكوى غالبية الناس من أنماط الحياة البائسة الجافة السريعة التي– اختاروها– لأنفسهم، تلك الحياة المشبعة بالتكلف والعجلة والغضب، رمضان أبسط بكثير، وأنقى مما نفعله في أنفسنا وما تفعله بنا شركات الهوس الرمضاني.