«سيبانة رمضان»، إحدى التقاليد الرمضانية القديمة التي تحافظ عليها بيروت، وهي دأبت منذ سنوات ست على الاحتفال بها في الأسواق وسط العاصمة، برعاية بلدية بيروت وبالتعاون مع شركة سوليدير، وتضمنت هذا العام مسرحاً إنشادياً وأشغالاً يدوية وسوقاً رمضانية ولعبة تحت شعار «برمضان أنا قوي» تهدف إلى تعزيز مفهوم الصحة والإيمان والتركيز والإرادة. وقد شاركت جمعيات أهلية في «السيبانة»، وقدم تلامذة لوحات مسرحية من وحي المناسبة.

أما سيبانة رمضان في الماضي فكانت تتمثل بخروج الناس إلى شاطئ البحر وتناول ما لذ وطاب من الأطعمة في اليوم الأخير من شهر شعبان قبل الدخول في صيام شهر رمضان.

Ad

يقول بعض المؤ‌رخين إن تقليد «سيبانة رمضان» كان في الأصل استهلالاً لهلال شهر رمضان، وكانت تسمّى «استبانة». إلا أن أهالي بيروت حرّفوا الكلمة مع مرور الزمن إلى «سيبانة» تسهيلاً للفظها.

من تقاليد الشهر الفضيل أيضاً، «مدفع رمضان»، مهمته التنبيه إلى حلول أوقات الإمساك والإفطار من خلال إطلاق طلقة مدفعية عند الغروب طيلة أيامه.

بدأ هذا التقليد في بيروت مع الوالي العثماني ابراهيم باشا، عام 1859 عندما أمر بتثبيت مدفع يتجه نحو الشرق على إحدى الروابي المطلة على بيروت، وعين شيخاً من آل زغلول لإطلاقه وأعطاه لقب «الميقاتي» نسبة إلى توليه ضبط مواقيت الإفطار والإمساك، إضافة إلى إطلاق 21 طلقة مدفعية للإعلان عن حلول شهر رمضان عند ثبات رؤية الهلال. أما حشوته، فكانت عبارة عن قطعة قماش مغمسة بالزيت ومزودة بكمية من البارود.

اليوم يتولى الجيش اللبناني هذه المهمة داخل المدن الرئيسة، لا سيما في بيروت وطرابلس وبعلبك وصيدا وصور، ويطلق ثلاث قذائف من النوع الخلبي عند ثبوت شهر رمضان، ومثلها عند ثبوت شهر شوال لإشعار الناس بحلول عيد الفطر السعيد، وإطلاق قذيفة واحدة من النوع نفسه قبيل حلول الفجر، وقذيفه واحدة عند الغروب.

للمسحراتي مكانة مميزة في تقاليد شهر رمضان، يكون عادة من أبناء الحي، فيبدأ قبل الفجر بإيقاظ الصائمين لتحضير الطعام قبل الإمساك، وكان يضرب بواسطة عصا على طبلة خاصة، ويلبس الجلباب المعتاد أو القنباز والطربوش، بحسب المؤرخ الدكتور حسان حلاق. وكان أهل بيروت لا ينسون شكر المسحراتي الذي سهر الليالي لإيقاظهم عند السحور فيقدمون له العيدية، لدى تجواله في أول أيام عيد الفطر السعيد بين البيوت والحارات لقبض هذه العيدية.

بين الأمس واليوم

مع السنوات وتطور العصر انقرضت تقاليد جميلة كانت تتسم بها بيروت، في هذا السياق يوضح د. حسان حلاق: «في مساء 29 من شعبان، كان اللبنانيون يقضون السهرة على شاطئ البحر لرؤية الهلال بأم العين، وبعد التماسه يتوجه بعضهم إلى دار الفتوى أو المحكمة الشرعية ليشهد أمام المفتي والقضاة الشرعيين بشرط أن يكون الشهود من المؤمنين وذوي السيرة الحسنة، وحتى تثبت شهادتهم يعلن المفتي أن اليوم التالي هو أول أيام الصيام. أما في هذه الأيام، فتطورت التكنولوجيا ولمْ يعد الناس بحاجة إلى مراقبة القمر».

فور إعلان بدء الشهر الفضيل كانت الفرق الدينية تملأ الشوارع من خلال مسيرات مزينة بالبيارق وهي تنشد الأناشيد الدينية والأهازيج الرمضانية، إلا أن هذه العادة ما لبثت أن توقفت في خمسينيات القرن الماضي. ويشير

د. حلاق إلى أن دار الأيتام الإسلامية تحاول إعادة إحيائها وبطريقة عصرية، فيجول الأطفال الآيتام في مواكب سيارة بأزياء تلائم الشهر الفضيل على وقع الأناشيد الدينية.

من خصائص شهر رمضان تبادل العائلات الزيارات وإحياء السهرات الجماعية يومياً من دون إغفال الشعائر الدينية، لكن هذا التقليد بحسب د. حلاق بات اليوم يقتصر على فئات محددة.

كذلك كان ينتشر في بيروت ومدن لبنانية ما يعرف بالزوايا، وهي عبارة عن مكان يشبه المسجد ومخصص لإقامة الصلاة والأذكار والاستماع إلى الأحاديث التي كان يلقيها شيخ الزاوية على الحاضرين، وهذا التقليد بدوره لم يعد موجوداً.

صيدا وطرابلس

تمتاز مدينة صيدا، عاصمة الجنوب، بـ«فوانيس رمضان»، وهي مصابيح مختلفة الألوان والأحجام تزيّن الشوارع ومداخل المساجد في شهر رمضان كتقليد سنوي يحافظ عليه الصيداويون. وقد انتقل هذا التقليد إلى بيروت ومدن لبنانية أخرى.

لطرابلس، عاصمة شمال لبنان تقاليدها الرمضانية الخاصة التي تحافظ عليها، فقبل حلول شهر رمضان بأيام تجوب فرق من الصوفية الشوارع، وتردد الأناشيد والمدائح النبوية والأشعار تحضيراً للصوم.

وخلال الشهر الفضيل يزور الأهالي «الأثر النبوي» في جامع المنصوري الكبير، وهو عبارة عن شعرة واحدة من لحية النبي محمد، يروى أن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني أهدى هذا الأثر إلى طرابلس مكافآة لأهلها على إطلاق اسمه على أحد مساجدها، ويعرف باسم «الجامع الحميدي».