يؤمن ترامب بفن العرقلة وتعمد التسبب في أزمات بغية الحصول على غايته، بهذه الطريقة يدير أعماله، وبهذه الطريقة قاد حملته الرئاسية، وها هو اليوم يطبق المبدأ عينه على الدبلوماسية الأميركية.

عندما أعلن ترامب أنه سيسحب الولايات المتحدة من صفقتها النووية لعام 2015 مع إيران، وصف ذلك بالقرار السهل: "عندما أطلق وعداً، ألتزم به"، لكنه لم يوضح مطلقاً السبيل إلى قيامه بذلك، ولا شك أن هذا خلل أساسي في خطوة ترامب هذه، صحيح أن هذه الخطوة تنم عن ثقة كبيرة بالنفس، إلا أنها تعكس في المقابل ضعفاً استراتيجياً.

Ad

سأل ماكرون عقب اجتماع مع ترامب الأسبوع الماضي: "ما الخطة البديلة؟". وتابع ماكرون متحدثاً إلى المراسلين: "تعلّمَ من تجربته في كوريا الشمالية أنك عندما تكون متشدداً، تدفع الطرف الآخر إلى التحرك، وهكذا يمكنك المحاولة للتوصل إلى صفقة جيدة، قد ينجح ذلك على الأمد القصير، إلا أنه يشكّل جنوناً على الأمد المتوسط إلى الطويل".

في حالة كوريا الشمالية، تتمتع الولايات المتحدة على الأقل بنفوذ كبير: عقوبات اقتصادية دولية يدعمها التزام بقضاء القوات الأميركية على خطر كيم يونغ أون النووي، أما في إيران فقد رُفعت العقوبات الدولية نتيجة اتفاق عام 2015. ولم يعرب أي بلد عن استعداده للانضمام إلى الولايات المتحدة في إعادة فرضها اليوم، على العكس عبّرت بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين جميعها عن نيتها مواصلة تطبيق الصفقة النووية.

وإذا حاولت إدارة ترامب، بعد إعادة فرض العقوبات الأميركية، معاقبة شركات النفط والمصارف الأوروبية لتعاملها مع إيران (كما يفرض القانون الأميركي)، فسيولّد هذا أزمة تضع الولايات المتحدة في وجه حلفائها.

لا شك أن هذا الوضع سيلائم إيران جيداً، فقد أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني أنه سيواصل الالتزام بالاتفاق طالما أن دولاً أخرى تستمر في شراء نفطه، ويعتقد بعض الخبراء أن الصين قد تزيد حتى شراءها النفط الإيراني، وخصوصاً إذا حصلت على خصم لاضطرار إيران لبيع نفطها.

أرسى تاريخ العقوبات الاقتصادية قاعدة واضحة: تخفق العقوبات الأحادية الطرف، حتى لو كان فارضها دولة قوية مثل الولايات المتحدة، ولكن لنفترض أن وزارة الخزانة الأميركية قررت التعامل بتشدد مع أوروبا، وأنجحت العقوبات، وألحقت الأذى باقتصاد إيران المتزعزع أساساً، فهل يبدو مرجحاً أن طهران ستوقع بخنوع اتفاقاً جديداً مع رئيس انسحب من اتفاق سابق؟ هذه أمنية لا استراتيجية، ولكن هذا ما يقول الرئيس إنه سيحدث.

أعلن ترامب: "من الطبيعي أن يقول القادة الإيرانيون إنهم يرفضون التفاوض على صفقة جديدة، ولا بأس في ذلك. كنت سأقول الأمر عينه على الأرجح لو كنت مكانهم، لكنهم سيرغبون في الواقع في عقد صفقة جديدة دائمة".

ربما، أو ربما ينهار النظام، وهذه نتيجة لم يدعُ لها ترامب علانية، إلا أنه ألمح إليها على ما يبدو. أو قد يعمد المتشددون في إيران، عندما يشعرون أنهم باتوا محاصرين، إلى إعادة إحياء برنامجهم للأسلحة النووية، واضعين الغرب أمام خيار صعب: إما الحرب أو القبول بدولة إيرانية نووية. وهذا بالتحديد ما صُممت صفقة عام 2015 لتفاديه.

عندما سئل ماكرون عن العاقبة الأكثر احتمالاً لانسحاب الولايات المتحدة، أخبر صحيفة "دير شبيغل" الألمانية: "يعني ذلك فتح صندوق باندورا. يعني الحرب".

لا شك أن هذا رهان كبير، سنتذكر قرار ترامب هذا في المستقبل كهفوة، إلا إذا تحول إلى كارثة.

ولكن خلال هذه العملية، سيحقق الرئيس ترامب إنجازاً تاريخياً واحداً على الأقل. طوال عقود تطلعت الدول الأخرى إلى الولايات المتحدة للقيادة بغية تفادي الأزمات العالمية، ولكن في عهد ترامب تولّد الولايات المتحدة الأزمات وتعتمد على الآخرين لحلها.

ملاحظة إلى الرئيس: لا يقدمون جوائز نوبل لعمل مماثل.

* «لوس أنجليس تايمز»