يعاني النظام السياسي الفلسطيني أزمة مستفحلة، تمتد آثارها لتشمل السلطة الفلسطينية، ومؤسسات حركة التحرر الوطني الفلسطينية، وما نشأ من انقسام سياسي عميق بعد اتفاق أوسلو تحول بعد انهيار حكومة الوحدة الوطنية عام 2007، إلى انقسام مادي ملموس في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، وتعمق ليكرس انفصالا خطيرا بين الضفة الغربية وقطاع غزة تستفيد منه إسرائيل، وتحاول تكريسه لتتخلص من تأثير العنصر الديمغرافي الفلسطيني ولتمنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.

وكما كان الانقسام سببا في تعطيل المجلس التشريعي المنتخب فإنه أصبح ذريعة أيضا لزوال مبدأ فصل السلطات وتمركز كل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بيد السلطات التنفيذية في الضفة والقطاع، مع أن كل مكونات السلطة واقعة تحت سيطرة الاحتلال الذي يهيمن على كل المعابر والمخارج، ويتحكم في أكثر من 70% من دخل السلطة الذي يدفعه المواطنون الفلسطينيون، والذي كررت إسرائيل حجزه أو التهديد باحتجازه مرات عديدة بأسلوب القرصنة، منذ حوصر الرئيس الشهيد عرفات، وبعد الانتخابات عام 2006، وحتى أثناء فترة حكومة الوحدة الوطنية.

Ad

وفي النتيجة فإن الانتخابات التي كان يجب أن تجري دوريا كل أربع سنوات، حسب ما ينص عليه القانون الأساسي الفلسطيني، لم تحدث لا في عام 2010، ولا في عام 2014، ولا في عام 2018.

وأدى تغييب الانتخابات إلى إضعاف كل الحركات السياسية، وإلى ظاهرة خطيرة تتمثل بنفور شعبي، وخاصة في أوساط الشباب من العمل السياسي إلى انكفاء واسع عن المشاركة في النضال الوطني، إذ لم يعد لدى الكثيرين أي اهتمام بالمشاركة طالما أنهم عاجزون عن التأثير بسبب سلب حقهم في انتخاب من يقودهم ويمثلهم.

وكان من المنتظر أن يكون الاتفاق على إنشاء مجلس وطني جديد سبيلا لتفعيل الانتخابات الديمقراطية في بنيان المنظمة على أساس نظام التمثيل النسبي، وتحرير القرار السياسي الفلسطيني من القيود المفروضة على السلطة، ولكن للأسف ورغم تكرار الاتفاق على إجراء الانتخابات في اتفاقات المصالحة الوطنية التي تعددت ولم تنفذ، بقيت الانتخابات غائبة عن المشهد الفلسطيني، ورغم أن إجراءها يمكن أيضا أن يستخدم كوسيلة مقاومة وكأداة فعالة لفضح وتعرية الاحتلال وتحدي إجراءاته.

لا يوجد اختلاف اليوم على أن اتفاق أوسلو فشل، وضمنيا لا يوجد اختلاف على أن المراهنة على المفاوضات في ظل اختلال ميزان القوى عديمة الجدوى، وبعد أن أقر اجتماع المجلس الوطني الأخير قرارا بأن اجتماعه مثل الدورة الأخيرة للمجلس القائم، وأنه يجب أن يستبدل به كما نصت اتفاقات المصالحة الوطنية، وكما قال رئيس المجلس نفسه، مجلس وطني جديد لا يزيد عدده على 350 عضوا سيتم انتخابهم ديمقراطيا على قاعدة التمثيل النسبي داخل فلسطين، وحيثما يمكن إجراء الانتخابات في أماكن وجود الفلسطينيين في الخارج، ويستكمل المجلس بالتوافق حيث لا يمكن إجراء الانتخابات، وبأعداد تتناسب مع نتائج الانتخابات الفعلية لكل طرف، فلم يعد هناك مبرر لتجاهل فكرة الانتخابات، أو تأخير الشروع في تشكيل مجلس وطني جديد من خلالها.

لا يبدو أن مصير أي اتفاق جديد للمصالحة الوطنية سيختلف عن مصير سابقاته، كما لا يجوز مواصلة حرمان الشعب الفلسطيني وخصوصا أجياله الشابة من حقها في اختيار قياداتها الديمقراطية.

كما لا يبدو أن هناك سبيلا لإنهاء الانقسام القائم، وما تبعه من انقسامات فرعية متتالية عبر ما يسمى "التوافق"، أو ما يعرف في الحقيقة بالتقاسم على أساس نظام الكوتا والمحاصصة، ولو كان ذلك ممكنا لرأينا مجلسا وطنيا موحدا يضم جميع القوى دون استثناء.

هناك إجماع على أن استمرار الانقسام الداخلي، وضعف المؤسسات، يسببان نزيفا متواصلا يضعف قدرات الفلسطينيين وهم يواجهون أخطر مرحلة في تاريخ قضيتهم، تتعاظم خلالها المؤامرات لتصفية حقوق الشعب الفلسطيني وقضيته والالتفاف على حقه في تمثيل نفسه، في حين أن مؤسساته ونظامه السياسي يعانيان ضعفا غير مسبوق.

ولا يمكن الخروج من هذا الوضع الخطير، إلا بالاستعداد لقبول مبدأين من قبل كل القوى السياسية والمجتمعية: المبدأ الأول الشراكة التي تعني القبول بنمط الجبهة الموحدة والقيادة الجماعية، والمبدأ الثاني القبول بحكم الشعب وبرأيه ونتائج تصويته في أي انتخابات مقبلة.

وإذا قبل هذان المبدآن فإن السبيل الوحيد لإنهاء أزمة النظام السياسي هو إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية للمجلس الوطني الجديد، لخلق وحدة قوية وراسخة ومؤسسات قادرة على مواجهة المخططات الإسرائيلية. وقد يتذرع البعض بأن المخاطر والأزمات لا تسمح بإجراء الانتخابات، ولكن يكفي أن ننظر إلى سلوك أعدائنا لنكتشف أن أحد أسباب قوتهم أنهم لم يعطلوا الانتخابات فيما بينهم ولا مرة واحدة، رغم انهماكهم في اعتداءات وحروب متتالية، فقد كانت الانتخابات هي وسيلة في حل اختلافاتهم السياسية، وهل هناك من مثال أوضح من إطاحة نتنياهو بحزب العمل بعد اغتيال رابين، ثم قيامه بعد ذلك بتصفية اتفاق أوسلو بالكامل. لدينا كفلسطينيين خلافات سياسية عميقة، واستراتيجيات متعارضة، فلنعطِ للشعب حقه عبر الانتخابات في اتخاذ القرار الذي يجب أن يحترمه الجميع، ولكن شريطة ضمان نزاهتها، والإقرار قبل إجراء الانتخابات بتعهد معلن وواضح بأن الجميع ملزم باحترام نتائجها.

وإذ كانت هناك قوى صغيرة تخشى الانتخابات لخوفها ألا تحظى بأصوات تحافظ على وجودها السياسي، فهذه مشكلتها وعليها أن تعالجها باحترام آراء الشعب الفلسطيني ومصالحه، كي تنال أصواته.

لا حل لمشاكل الانقسام إلا بإجراء الانتخابات الديمقراطية لتكون الحكم الفاصل في الخلافات التي استحكمت بنا، ولإنهاء الانقسام الذي أضعف وألحق أفدح الأذى بمصالح شعبنا، والأسلوب لإرسال رسالة واضحة لكل القوى الخارجية التي تحاول العبث بساحتنا الداخلية، بأن الفلسطينيين هم أصحاب القرار بشأن مستقبلهم، والحماة لقرارهم الوطني المستقل.

* الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية