كان حمورابي أحد أعظم ملوك المشرق في حضارة "بابل" والتي حكمها ما بين 1792- 1750 قبل الميلاد، وقد صورته النقوش والأختام رجلا يفيض حماسا وعبقرية، وعاصفة هوجاء في ساحات القتال، حيث يمزق الأعداء ويهزم جيوشهم شر هزيمة، وقائدا ناجحا في توحيد الدويلات التي كانت تتحارب فيما بينها على امتداد حدوده، فنجح، كما يقول د.عامر سليمان، في "رفع راية السلام شامخة على ربوعها، ووطد صروح الأمن والنظام والقانون في ظلال شريعته التاريخية الفريدة".

(القانون في العراق القديم، ص 224).

Ad

وتكاد تبدو بعض سمات العراق التاريخية في سياسته، فبالرغم من كثرة حروبه وفتوحاته لم يهتم كثيرا بترسيخ بيروقراطية الدولة التي تأثرت بمزاجه الشخصي وغزواته، حيث كان هدفه الاحتفاظ بنهر الفرات وإبعاد منافسيه وقهر الشعوب الشرقية حتى تخضع له، ويرى بعض الباحثين أن أعظم ما أنجزه كان نجاحه في نقل مسرح الأحداث في بلاد الرافدين من الجنوب إلى الشمال، حيث بقي هناك لألف سنة قادمة.

لم يكن حمورابي أول مشرع قديم، كما يبين "موسكاتي" في كتابه "الحضارات السامية القديمة"، فلقد سبقه بنحو قرنين من الزمان ملك "أشنونا"، بقانون "بيلالاما" (Bilalama) إضافة إلى قانون سومري آخر هو قانون ""لبيت عشتار". كما أن هناك عددا من القوانين السومرية القديمة، وهي ترجع إلى نحو 2050 قبل الميلاد وتسمى قوانين "أورنمو"، ولكن شريعة حمورابي بقيت متميزة ومعروفة.

يقول د. خليل العباسي في كتابه "شريعة حمورابي": "يقدم لنا القانون البابلي صورة مثلى للقانون المتشبع بروح العدالة، نلمس في ثناياه الأحكام الصارمة لحماية الضعيف من ظلم القوي، ونتبين في قواعده ما يحقق بعض أوجه العدالة الاجتماعية. لقد عالجت شريعة حمورابي المؤلفة من 282 مادة، كل جوانب الحياة بتفاصيل ومفردات تدهشك دقتها وتنظيمها، كما يستوقفك عنف العقوبات الرادعة، وقد استهل حمورابي شريعته بمقدمة صيغت بأسلوب بليغ أقرب إلى الشعر منه إلى النثر، وفيها يذكر كيف دعاه الإله مردوخ لنشر العدل في البلاد لكي يقضي على الشر والخبث، ولا يستعبد القوي الضعيف، ولكي ينير البلاد. ثم يستعرض بكل فخر ألقابه وأعماله العسكرية والعمرانية والتعبدية، وكيف استطاع تحرير سكان المدن، ثم يتضرع حمورابي إلى الآلهة بالدعاء إلى الملوك الذين سيأتون بعده ليطبقوا قوانينه بالعدل ويحافظوا عليها من المجرمين والدساسين والمشبوهين حيث يستنزل عليهم جميعا لعناته".

لقد قام د.العباسي بترجمة قانونية كاملة لبنود "شريعة حمورابي"، عمان- الأردن 1998، نود فيما يلي أن نلقي نظرة شاملة سريعة عليها لأهميتها الكبرى في تاريخ تطور القانون، حيث تناول التشريع القضايا الأسرية والاجتماعية والجرائم المرتكبة ضد الممتلكات ومسائل الزراعة والرعي والتجارة، والمسائل المتعلقة بأرباب مختلف المهن، وأخيرا قضايا تجارة العبيد.

تعاقب قوانين حمورابي بالموت "كل من سرق أموالا تعود ملكيتها للإله أو القصر". كما يعتبر سارقا ويعاقب بالموت كل من يتعامل تجاريا دون شهود أو عقود مع قاصر أو عبد! وتبدو الأهمية الكبرى لامتلاك الرق في عصر حمورابي، حيث نرى بنودا كثيرة تخص شؤونهم، وتقول المادة 15 ما نصه: "يعاقب بالموت، من مهد السبيل لعبد أو أمة للهروب من بوابة المدينة. ويستوي أن يكون العبد أو الأمة من بين عبيد القصر أو إمائهم أو ممن يملكهم عامة الناس".

وتقول مادة أخرى: "إذا آوى شخص في منزله عبداً آبقا أو أمة آبقة، ثم لم يستجب لنداء المنادي بتسليم الآبق، عوقب بالموت، ويستوي أن يكون الآبق ممن يمتلكهم القصر أو عامة الناس". وتقول المادة 282: "إذا قال عبد لمالكه "أنت لست سيدي"، فإن تأكد كونه عبده، كان لسيده أن يصلم أذنه"! وكان بعض أشكال الرق لحسن الحظ مؤقتا، فتقول المادة 171 مثلا: "إذا حل ميعاد استحقاق الدين على شخص، وباع زوجته أو ولده أو ابنته، أو قُدم أحدهم للدائن مقابل الدين، وجب عليه الخدمة في منزل المشتري أو الدائن لمدة ثلاثة أعوام، وفي العام الرابع يستعيد الشخص المباع وضعه القانوني".

وتنص المادة 118 على أنه "إذا قدّم المدين لدائنه عبداً أو أمة مقابل دين، فمن حق الدائن بيعه أو بيعها دون أن يكون محل مطالبة من أحد".

وفي المجال الأسري حتمت تشريعات حمورابي عقد الزواج، إذ نصت المادة 128 على أنه "إذا اتخذ رجل من امرأة زوجة له دون أن يجري لها عقدا، فلا تعتبر هذه المرأة زوجة له".

وعاقب القانون العلاقات غير الزوجية في هذا المجال، إذ نصت المادة 129 على أنه "إذا ضُبطت زوجة في أحضان رجل آخر، قُيّد الاثنان، وأُلقيا في النهر، وإذا شاء الزوج الغفران لزوجته بإبقائها على قيد الحياة، كان للملك عندئذ أن يُبقي على حياة خادمه- أي الزاني".

"وإذا اتهم زوج زوجته بالخيانة الزوجية، ولم يضبطها مع عشيقها، وجب عليها أداء القسم أمام الإله على براءتها والعودة إلى دار الزوجية". ونصت مادة أخرى على أنه "إذا طعن شخص بإيماءة منه شرف زوجة رجل آخر، ولم تثبت صحة اتهامه، استقدم أمام القضاة ودُمغت جبهته بعلامات مميزة".

وأجاز تشريع حمورابي تعدد الزوجات في بعض الحالات، فتقول المادة 141 إنه "إذا اعتزمت زوجة تعيش في كنف زوجها الخروج من البيت لتمارس عملا يسيء إلى سمعة زوجها ويدمر الراحة المنزلية، ويثبت عليها ذلك، كان لزوجها أن يطلقها دون أن يترتب عليه أي التزام، أما إذا لم يشأ الزوج تطليقها، جاز له الزواج بامرأة ثانية واستبقاء زوجته الأولى أمةً في منزله". وتقول مادة أخرى: "إذا لم تكن الزوجة كيّسة في تصرفاتها، بل تسعى إلى الخروج من المنزل والحط من شأن زوجها وتخريب بيتها، عوقبت بإلقائها في الماء".

وتتكرر عقوبة الإلقاء في النهر كعقوبة في أكثر من بند من تشريع حمورابي، وقد جاء في "المعجم القانوني" لحارث سليمان الفاروقي، أن الشعوب القديمة كانت تعرف طرقا متنوعة من طرق المحاكمة، ومنها المحاكمة بالماء البارد water ordeal وبموجبها كان المتهم يربط بحبل من تحت إبطيه، ثم يلقى في نهر، فإذا رسا في القاع حتى يجذب إلى أعلى بعد برهة قصيرة من إلقائه، عُدّ بريئاً، وإذا طفا على سطح الماء عُدّ مذنبا باعتبار أن الماء قد لفظه ورفض احتضانه.

وكانت عقوبة من يمارس السحر في قوانين حمورابي كما يلي:

"إذا اتهم شخص شخصا آخر بممارسة السحر وعجز عن إثبات التهمة، وجب على المتهم أن يرمي نفسه في النهر، فإن ابتلعه، كوفئ المدعي بممتلكات المتهم، أما إذا برّأ النهر ساحته بخروجه منه حيا، عوقب غريمه بالموت وأعطيت أمواله للمتهم". وكان يعاقب بالموت كذلك من يدلي بشهادة كاذبة في دعوى عقوبتها الموت: "ولم يستطع إثبات شهادته". أو من يسرق أموالا "تعود ملكيتها للإله أو القصر"، وكان الموت عقوبة أي شخص يسرق ثورا أو خروفا أو حمارا أو خنزيرا أو قاربا، ويعجز عن دفع الغرامة التي كانت عشرة أضعاف ما سرق، كما كان الموت جزاء كل من يتهم شخصا بتهمة القتل ثم يعجز عن إثبات التهمة.

ونصت قوانين الملك البابلي على قطع يد الطبيب "إذا أحدث أثناء عملية لمريض جرحا بليغا أو قام بفتح محجر عينيه بمشرط برونزي، وسبب له تلفا في العين". وكان الحلاق يتعرض للعقوبة نفسها "إذا قام بإزالة علامات فارقة لعبد، بدون علم مالكه، وبما يؤدي إلى عدم معرفته". وينبغي الإشارة هنا إلى أن الحلاقين كانوا إلى عهد قريب يقومون ببعض الأعمال الجراحية، ومنها الختان!

وتقول المادة 195، "إذا ضرب ولد أباه، قطعت يداه"، كما ذكرت عقوبة قطع اليد في البند 253 لجريمة أخرى، وذلك "إذا استأجر شخص شخصا آخر وعينه مشرفا على حقله، وقدم له البذور والحبوب وجهزه بالثيران وتعاقد معه على زراعة الحقل، ثم قام هذا الشخص بسرقة البذور والمحاصيل وضبطت عنده". أما إذا كان قد استحوذ على الحبوب وترك الثيران تتضور جوعا "أُلزم برد ضعف كمية الحبوب التي تسلمها".

ومن قوانين العين بالعين والسن بالسن، المادة 196: "إذا فقأ شخص عين شخص آخر عوقب بالمثل". والمادة اللاحقة لها "إذا كسر شخص عظم شخص آخر عوقب بكسر عظمه".

وقد ميزت قوانين حمواربي وتشريعاته بين الحر والعبد، فالمادة 199 تقول: "إذا فقأ شخص عين عبد أو كسر عظما له عوقب بدفع نصف الغرامة المحددة". وكان على الحر أن يدفع عقوبة مالية إن صفع حرا مثله، في حين: "إذا صفع عبدٌ شخصا حرا عوقب بقطع أذنه".

وكانت مكافأة الطبيب الجراح للرجل من الأثرياء وربما رجال الدين عشر شقلات من الفضة مقابل العملية، ونصف المبلغ للرجل من عامة الناس، و"أما إذا كان المريض عبدا دفع مالكه للطبيب شقلين من الفضة نظير العملية".

وفي مجال التبادل التجاري أبرز التشريع أهمية العقود، فقالت المادة 96 مثلاً: "إذا قدم تاجر حبوبا أو فضة على سبيل القرض، دون أن يكون هناك شهود أو عقد، فَقَد الدائن كل القرض".

وكان على مقاولي البناء مراعاة أقصى درجات الحذر والدقة، فقد نصت المادة 229 على أنه "إذا شيد معمار دارا لشخص، ولم يكن بناؤه محكما، فانهار على صاحب البيت فقتله عوقب المعمار بالموت". وقالت مادة لاحقة: "وإذا أفضى انهيار الدار إلى مقتل ابن صاحب الدار قُتل ابن المعمار".

ولما كان للحانات دور بارز في النشاط التجاري نبهت المادة 109 بأنه: "إذا حصل تجمع لمتآمرين في دار بائعة الخمر، ولم تبلغ عنهم لإلقاء القبض عليهم وتسليمهم إلى القصر، عوقبت بالموت"، وفي مادة أخرى: "إذا رفضت صاحبة الحانة قبول الحبوب ثمناً لمشروباتها أو تلاعبت في أثمان المشروبات إزاء ما يقابلها من أوزان الفضة وأكيال الحبوب، عوقبت رمياً في النهر إذا ثبتت عليها التهمة".

وتضمنت شرائع حمورابي توجهات أسرية متميزة كما في المادة 166، التي تقول: "إذا قام شخص بتزويج أبنائه جميعا باستنثاء ابن قاصر، ثم مات الأب ميتة طبيعية واقتسم الأولاد الميراث، وجب على الأولاد المتزوجين جميعا إعطاء أخيهم القاصر غير المتزوج، من النقود ما يساوي مقدار الصداق علاوة على نصيبه في الميراث".

وعن توريث البنات قالت هذه القوانين: "إذا وهب والد ابنته هدية موثقة على رقيم، ولكنه لم يثبت لها على الرقيم من هو وريثها، ولم يمنحها حق التصرف، ثم مات أبوها ميتة طبيعية، انتقلت ملكية الحقل والبستان إلى إخوتها، وتُعطى مقابل حصتها حبوباً وسمناً وصوفاً، وبما ينال رضاها".

اتسمت شرائع حمورابي في العديد من بنودها بالقسوة البالغة، فكانت تعاقب جرائم الرضاعة بقطع أثداء المرضعة (البند 194) ومشاكل التبني بقطع اللسان وقلع العين (المادتان 192 و193)، ومن ملاحظات المترجم قوله: "وقد يستغرب القارئ الكريم، وهو يقرأ نصوصا لمشرع كبير كحمورابي، خلو شريعته من أي ذكر لعقوبة الحبس. وليس يُدرى على وجه التحديد أين كان يُحشر المتهمون والمحتجزون، الذين يُلقى القبض عليهم على ذمة التحقيق، وأين كان يودع المجرمون الذين صدرت بحقهم أحكام الموت قبل تنفيذها؟". (ص12).

اعتمد المترجم، د.خليل إبراهيم العباسي على الترجمة الألمانية لشريعة حمورابي للأستاذين الراحلين بايزر وكولر Peirzer Kohler، المطبوعة في مدينة لايبزغ عام 1904 إلى جانب الترجمة الإنكليزية Rosamonde Mack بغداد 1979.

وفي النص بنود مفقودة من الأصل، وقد يتساءل القارئ ألم تكتب أو تنقش نسخ أخرى من هذه التشريعات لبعض المدن والمنطق في بابل وغيرها؟ وهل لا يزال البحث جاريا عن مثل هذه النسخ؟