اكتشفت أن قطاعاً لا بأس به من الشعب لم تكن سهرة الاستجوابات الثلاثية تعني له شيئاً، بقدر ما أثارت انتباهه وحفيظته عملية إعدام أكبر كمية خمور في تاريخ البلاد، وعدم الاستفادة من ريعها على الأقل، وقد ساءني أن أرى بهذه المناسبة ظهور بعض السادة الممتعضين والرافضين لقانون منع الخمر بأثر رجعي، سواء من يعدون أنفسهم من الواقعيين والعلمانيين، أو "السكرجية والعرقچية"، كما يناديهم النائب العراقي فائق الشيخ علي، وكأن البلاد لا ينقصها إلا هذا لتصل القمر، وللأسف فإن أغلبهم من الشباب الذين يجهلون حكمة الآباء والأجداد الخالدة حينما أقروا التعديل القاضي بالمنع، لذا فإني أرى أنه من واجبي اليوم توضيح الصورة لهم والرد على تساؤلاتهم وإيقافهم عند حدهم حتى لا يتمادوا في التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم، فلولا مثل هذا القرار التاريخي لسقطت بلادنا الحبيبة في بحر الرذيلة والفساد الأخلاقي والسياسي والإداري، ولانتشرت فيها السلوكيات المنحرفة كالرشوة والاختلاس والمحسوبية والنفاق والرياء والعنصرية، وعلى سبيل المثال طبعاً لا الحصر، فكان مثل هذا القرار هو خطوة الوصاية الإصلاحية الأولى لمعالجة الخلل الاجتماعي ومن ثم السياسي، وبعدها الانطلاق للعالمية، فالسكران كما تعرفون لا يستطيع أن يختار نائبه بشكل منطقي وسليم، وها أنتم اليوم وبعد كل هذه السنين تحصدون النتائج الباهرة والظاهرة للعيان لمثل هذا القرار الإستراتيجي المدروس بعيد النظر.

لابد أن هناك أضراراً جانبية نتجت عن هذا القرار التاريخي، لكن من الطبيعي أن يتبع كل خطوة جبارة قليل من التضحيات في سبيلها وبعض الخسائر غير المهمة، وذلك كله يهون في سبيل نقاء وطهارة أرض البلاد وسمعة شعبنا المحافظ، فأن ترتفع نسبة تعاطي المخدرات وينتشر إدمانها بين الشباب والمراهقين ويصبحوا فئران تجارب بشرية لكل أصنافها الطبيعية والكيميائية فتزيد بينهم حالات الوفاة فذلك أمر يمكن معالجته ما دامت مستشفيات الولادة تعوض النقص، فإن مات منا سيدٌ قام سيد، أما حالات العمى وأمراض الكلى والكبد بسبب روح المستهلكين الوطنية التي تدفعهم لتشجيع المنتج المحلي نظراً لارتفاع أسعار السوق السوداء، أو بسبب توجههم بحسن نية نحو "السلع" المغشوشة غير الخاضعة لرقابة أو ضريبة أو فحص صحي، فيمكن معالجتها في مستشفيات وزارة الصحة الكريمة أو الابتعاث للعلاج والنقاهة بالخارج على حساب ميزانية الدولة الطاهرة.

Ad

رجائي لكم أيها الشباب المندفعون بلا تفكير ألا تكثروا الكلام في هذا الأمر وتخدشوا حياء المجتمع العفيف الواعي، أمامكم خياران لا ثالث لهما ولكم حرية الاختيار بينهما، ولا تزعجونا معكم، إما أن تصنع لنفسك حياة سرية بديلة في بلادك ولا تخبر أحداً بها لأن أحداً لن يخبرك أيضاً، أو أمامك مطار مفتوح 24 ساعة في اليوم اتجه منه أينما تشاء برفقة المؤيدين للمنع من معتادي السفر للدول "المخمورة" بقصد السياحة والتسوق والطقس الجميل فقط، وحاول أن تتعلم منهم قوة الإرادة بعدم الاقتراب من الممنوع رغم وجوده في متناول أيديهم لأشهر في بلاد الغربة، ثم بعد ذلك اصرف أموالك معهم هناك كيفما تشاء وساهم في دعم اقتصادات الدول الصديقة والشقيقة، وارجع لنا سالماً صاحياً مشافى معافى، وعليك ألا تستغرب كثيراً عزيزي المواطن إذا ما ذهبت في إحدى رحلاتك إلى بلاد عربية أو إسلامية ووجدت الخمر والميسر مباحاً ومنظماً لديهم من قبل الدولة وفوقهما شوية "تجارة جسد"، واكتشفت أن المؤيدين للمنع هنا هم من ذات جماعة وتنظيم الحزب الحاكم هناك، أو من المؤيدين له ولأفكاره والمدافعين عنه والمسبحين بحمده ليلاً ونهاراً بيننا، فهذه أيضاً حكمة عظيمة أخرى تخفى على فهمك القاصر وتفكيرك المحدود.