"أغرب حكاية في حياتك"، أول رواية أقرأها لشيترا ديفاكاروني، روائية وشاعرة هندية وُلدت عام 1956 في كالكوتا، وبعام 1967 ذهبت إلى الولايات المتحدة وحصلت على شهادة الدكتوراه منها. تُرجمت أعمالها إلى 29 لغة. روايتها تكشف عن أسلوب كتابي عميق وسلس بلغة بسيطة سهلة يسيطر عليها الخيال الجامح الآتي من التاريخ والتراث المربوط بالواقع المعاش.

الرواية واقع يتكرر حدوثه عند الكوارث، ويحصل للناس الذين تطولهم تلك الكوارث، لكن لا أحد يعرف مصيرهم وحياتهم خلال تلك الفواجع، ومن هنا التقطت المؤلفة أو تخيلت مجموعة من الناس المختلفين بالأديان والتوجهات والجنسيات، الموجودين بالطابق الأرضي للقنصلية الهندية في أميركا، وكل منهم يريد الحصول على فيزا للذهاب إلى الهند، وفجأة يحصل زلزال وينهار جزء من السقف، ليقفل عليهم باب الخروج من المكان، ومنذ هذه اللحظة يتغير كل شيء بحياتهم المحبوسة تحت الأرض والمهددة بالموت في اللحظة المقبلة.

Ad

ومن ثم تتغير العلاقات بينهم، وتنزاح الغربة والخلافات، ليحل نوع من التآلف والتجانس والتقارب، وُلد من هذه المحنة التي وحَّدت وقاربت بين مصائرهم، وتقترح الفتاة "إيما" أن يحكي كل واحد منهم عن حادث لا يُنسى بحياته، وبعد ترددهم في الكشف عن أغوارهم، يبدؤون بالحكي، ومن هذه الحكايات تتكون صورة بانورامية للشخص الذي يحكيها، وتنكشف له حياته، ليتطهر ويعالج جرحه مما خلفه الحادث بحياته.

السرد رائع غير اعتيادي ينتقل من حكاية إلى حكاية، وربطها بما يحدث في الواقع الكارثي الذي هم فيه. ورغم ازدياد انهيارات السقف، وارتفاع منسوب الماء تحتهم، وتسرب الغاز، ونقص الماء الصالح للشرب، فإن الحكايات قاربت بينهم، وتفاعلوا معها، وبدأوا في تحليلها وعرضها من زوايا متعددة أنستهم هول الوضع الكارثي حولهم، وترابطت طريقة شبك حكاية كل واحد فيهم مع بعضهم البعض، وتداخلت ذكرياتهم لتحرك مشاعر متشابهة بينهم، فالوضع القاسي الصعب وحَّد مشاعرهم، وأزاحت المحنة كل الفواصل، لتكسر رتابة تراتبية سرد قصص الموجودين بشبكتها مع أحداث تجري في الموقع مع ذكريات الآخرين، وهذا مقتطف منها: "في الصمت الذي ساد بعد حكاية جيانغ استسلم كل فرد منهم إلى أفكاره الخاصة. تفرغ الجميع لمهامهم التي وكّلهم بها كاميرون أو أملاها عليهم جسدهم، لكن الحكاية بقيت تشق طريقها بينهم، كانت تضيء وهي تدور دون نهاية حول نفسها، كالحجر النيزكي في فيلم بطيء".

وهذا يبين أهمية الحكايات والروايات في حياة البشر، وقدرتها على الإلهاء وسحب الخوف، بسبب طاقتها الشفائية، وهي التي منحت هؤلاء، سجناء الكارثة المنتظرين موتهم في كل لحظة تمر عليهم، الصبر والتعاون والاتحاد في المصير، ما هوَّن عليهم هول الكارثة، وهذا مقطع يوضح ذلك: "لا يهم! أطفأ كاميرون المصباحين، ورغم العتمة الثقيلة التي كانت تنقض عليهم، شعرت إيما بحيوية جديدة عند رفاقها، كما لو أنهم قرروا ألا يشغلوا بالهم بما كان يخرج عن سيطرتهم. كانوا جاهزين للاستماع إلى بعضهم بشكل تبادلي، لا، بل كانوا جاهزين لسماع الحكاية التي كانت أحيانا تتجاوز ذلك الذي يحكيها".

"لم يضيع كاميرون وقته في محاولة إقناعها بالعودة. كانت تسمعه وهو يهمس بالتعليمات. بدأت برفع بعض الأنقاض على جانب الكومة التي كانت تغطي طارق، لكنها توقفت في اللحظة التي انزلقت نحوها قطعة الجص، مهددة بالسقوط فوقها. فضلت أن تفكر ببيتهوفن، عندما جعله الصمم يغرق شيئا فشيئا في الصمت، لابد أن هذه الموسيقى قد شعر بأنه سيدفن حيا، لكنه وجد ومضة من نور، وذلك بجعل الموسيقى تصدح في رأسه".

وطوال فصول الرواية يتوقع القارئ أنها ستنتهي بنجاتهم، وخاصة عندما تُسمع أصوات من فوق المبنى يحاولون الكشف عن الأنقاض وإنقاذ الأحياء في المباني المنهارة، إلا أن ضوء هذا الأمل يتلاشى بالاضمحلال حين لا يكتشف وجودهم أحد، ومع هذا يستمرون في الكفاح للبقاء على قيد الحياة، رغم ازدياد انهيارات السقف، وارتفاع منسوب الماء، وظهور جثة طافية حولهم، ومع كل أوجاعهم الجسدية إلا أنهم استمروا في سرد حكاياتهم لآخر رمق في حياتهم حين يطبق عليهم السقف بكامله، وهذا مقتطف: "بدأت بطارية المصباح تضعف. رأت إيما في الضوء المتأرجح رفاقها يتدحرجون ككرة، متحاشين النظر في عيون بعضهم بعضا".