في وسط الزحمة تضيع الحقيقة، فيتفاعل الناس مع أعراض المشكلة وليس جذورها.

تعد قضية الملايين من الفلبينيين العاملين بالخارج، وتحويلاتهم التي تبلغ عشرات المليارات سنوياً، قضية سياسية بامتياز، يتصارع حولها السياسيون بشكل دائم، ويتبارون في إظهار الدفاع عنهم وعن مصالحهم، كما أن إثارة الرأي العام ضد الكويت في الفلبين ليست أمراً جديداً، وهي مسألة مفتعلة تتصاعد حيناً وتخبو حيناً حسب الحسبة السياسية الفلبينية، وصار على الكويت أن تتعامل بجدية أكثر مع شقها السياسي.

Ad

المشكلة السياسية حلها سياسي دون فذلكات، بموجب اتفاقية فيينا للأعراف الدبلوماسية، وهي عادة إجراءات تدريجية قد تنتهي بالتوافق أو تبقى معلّقة حتى حين، أو قد تنتهي بقطع العلاقات أو طرد السفير، وهو أمر غير محمود في العلاقات الدولية. ولا أظن أن الشق السياسي من المشكلة سيطول.

المؤسف في الأمر أن الضجة المفتعلة من الجانبين، وما يعنينا هنا الطرف الكويتي، غطى على المشكلة الأساسية التي نعيشها، ألا وهي الوضع غير الطبيعي لحالة العمالة المنزلية في البلاد، فهل يعقل أن يوجد منهم نصف عدد المواطنين أو ربما أكثر؟ وهل ذلك هو وضع صحي بالأساس؟ ولنأخذ في الاعتبار أيضاً حجم الانتهاكات الجسيمة التي تتعرض لها العمالة المنزلية، والتي مازالت مستمرة، وهي كثيرة وليست فردية، كما يريد البعض أن يصورها. فعلى الرغم من حدوث تطورات إيجابية في المنظومة القانونية الحمائية، فإن ذلك مازال غير كاف، ويحتاج إلى مزيد من العمل، ليس استجابة لضغوط من أحد، ولكن احتراماً لإنسانيتنا ولإنسانية البشر الذين يعيشون معنا. تلك العلاقة الملتبسة بين صاحب بيت وخادم هي علاقة بين قوي وضعيف، تتحول تدريجياً إلى ما يشبه ثقافة العبودية، مما يعطي شعوراً كاذباً بالتفوق، بينما هم ليسوا إلا بشراً مثلنا، يحلمون كما نحلم، ويتألمون كما نتألم، ويحسون ويشعرون.

تلك العلاقة غير المتكافئة تخلق ثقافة النظرة الدونية، المدمرة للآخر الذي يتحول إلى "شيء" بدلاً من كونه إنساناً، وبالتالي يصبح مبرراً انتهاك حقوقه كاملة، كالاعتداءات الجنسية والجسدية وساعات العمل القاتلة والحبس في البيوت ومنع الإجازات وعدم دفع الرواتب وغير ذلك.

بطبيعة الحال هناك عدد كبير من الناس في هذا البلد لم تؤثر فيهم تلك الثقافة، ويعاملون العاملين في المنزل بمودة ورحمة، ولا يبخسونهم حقوقهم، ولا يقتطعون منهم أجراً، ولكن وكما يقال "الخير يخص والشر يعم". إذاً المشكلة تتجاوز بكثير شقها السياسي، أما ما يمكن عمله من جانبنا، على المدى القصير، فهو تطبيق القانون على المسيئين دون إبطاء أو تحيز أو تمييز، فحينها لن يجد رئيس شعبوي مدخلاً، أو مبرراً، لتصعيد سياسي مفتعل لكسب شعبية وهمية.