كانت آخر أمنية للأبنودي قبل رحيله، بحسب ما صرّحت زوجته نهال كمال لـ"الجريدة"، «ألا ينساه المصريون، وإقرار كتبه وأشعاره، خصوصاً «أيامي الحلوة» للطلاب، فهذا الكتاب وقد قرأته أثناء كتابته سطراً سطراً، عايشت ولمست قوة ارتباطه بالناس وهمومهم وتطلعاتهم إلى حياة كريمة حرة وعادلة، وسأحضر ندوة عنه خلال الأيام المقبلة في مكتبة المستقبل حيث تنطم احتفالية في الذكرى الثالثة». واستطردت كمال: «ما زلت أشعر بوجوده وحضوره الطاغي في حياتي، وكل يوم أكتشف أموراً جديدة عنه. لديه رباعيات وقصائد مخطوطة لم تنشر، من بينها قصيدة عن فلسطين بعنوان «تداعيات ثرثرة لا ترقى إلى الشعر»، مكتوبة في 15 صفحة. وكان يعتبر السيرة الهلالية درة أعماله، وقد أمضى في جمعها 30 عاماً وأنفق عليها من جيبه الخاص. وذات مرة سألته عن السبب، ولماذا لم يلجأ إلى جهة تمويل فقال لي: «منذ أن رمى الله الشعر في حجري وأنا أراعي الله والوطن في كتاباتي ولم أكتب أي عمل مقابل شيء أو سعياً خلف المال أو ضد المبادئ». ولكنه أبدى لي انزعاجه من بعض المهتمين بالتراث، الذين استفادوا من السيرة واستخدموها في كتبهم، من دون أن يشيروا إلى المصدر. لكن في النهاية كان يؤكد أنه قدّمها للناس وللوطن، وللحفاظ على التراث. لذلك لم يتكسب منها مادياً أبداً، على عكس الذين عرضوها على التلفزيون والمسرح. وكشفت نهال أن ذيوع السيرة الهلالية يعود إلى جمال الغيطاني الذي نشرها في «أخبار الأدب» حينما كان مسؤولاً عن النشر في المؤسسة.

وبسؤالها عن طقوس حياته الخاصة، كشفت نهال أن أبريل كان الشهر المحبب لديه، فقد كان يحتفل خلاله بعيد ميلاده معنا في البيت، ولكنه لم يعرف أنه سيحمل تاريخ وفاته أيضاً. أما عن طقوس الكتابة، فكان «يملك طاقة إبداعية هائلة. كان يكتب وهو في حالة انعزال تام عما حوله وكأنه يهيم مع الأشعار في فضاء خاص به، وإذا استشعر أي صوت أو حركة بجانبه يخرج من حالة الإبداع فوراً، وعندما كنت أقدم له الشاي كنت أسير على أطراف أصابعي كي لا أحدث ضوضاء، وإذا حدث عكس ذلك يثور ثورة عارمة. بخلاف ذلك، كان هادئاً وحنوناً يذهب أحياناً إلى المطبخ لإعداد الشاي والطعام، فقد كان طباخاً ماهراً وكان يردد دائماً «تعلمت الطبخ من والدتي». كذلك كان يحب مشاهدة مباريات كرة القدم، ويشجع فريق «ليفربول» الإنكليزي، ويتابع كرة المضرب، وكان يحفظ أسماء اللاعبين جيداً.

Ad

كذلك كشفت نهال رفض الأبنودي كتابة ملحمة عن مشروع «توشكي»، موضحة أنه كان برفقة الرئيس حسني مبارك مع المثقفين والشعراء أثناء افتتاحه، وطلب إليه المحيطون بالرئيس الكتابة عن المشروع على غرار ملحمته «جوابات حراجي القط» التي كتبها عن السد العالي، وقابل طلبهم برفض حاسم.

صداقات وقامات شاعرية

الأبنودي المعجون بسمار الأرض حقّق فتوحات غير مسبوقة بالقصيدة العامية، إذ يعد أحد شعرائها المعدودين الذين تمكنوا من الانطلاق بها إلى الفضاء العربي الواسع من المحيط إلى الخليج، وهو نال أرفع الجوائز في العالم العربي. وارتبط الراحل بصداقات وثيقة مع كبار المثقفين العرب عموماً، من بينهم الفلسطيني محمود درويش والروائي السوداني الطيب صالح، وفنان الكاريكاتور الفلسطيني ناجي العلي، والشاعر أمل دنقل، والروائي الراحل يحيى الطاهر عبد الله، وأديب نوبل نجيب محفوظ، وجمال الغيطاني، وغيرهم. كذلك تغنّى بكلماته المبدعة كل من عبد الحليم حافظ وشادية ووردة الجزائرية وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة وصباح ومحمد رشدي وماجدة الرومي ومحمد منير، لتصل إبداعاته إلى أكبر عدد ممكن من الجماهير على امتداد الأرض العربية وكل من يعرف العربية في العالم.

رحل الأبنودي جسداً فيما بقيت أعماله وشخصياته الشعرية متوهجة بشمس الجنوب مثل «يامنة» و«فاطمة قنديل»، وزوجها «حراجي القط»، و«الأرض والعيال»، و«الزحمة»، و«الفصول ووجوه على الشط»، و«عدى النهار»، و«احلف بسماها وبترابها»، و«ابنك يقول لك يا بطل»... وحاضرة دوماً في الوجدان العربي.

ومزجت إبداعاته غالباً بين الثقافي والسياسي وحظيت بحضور متوهج في ضمير أمته وشاركت في منعطفاتها وتحولاتها الكبرى، بقدر ما آمن هذا الشاعر المصري الكبير بأهمية الشعر في الحياة العربية ودوره في صياغة معنى جديد لهذه الحياة، ليصبح قامة شعرية كبيرة وخالدة في أمة أنجبت شعراء كثيرين أبرزهم المتنبي وأبو العلاء المعري، وأبو نواس، وأحمد شوقي، وأحمد عبد المعطي حجازي، وأمل دنقل، وأدونيس، وعبد الوهاب البياتي، ونزار قباني، ومحمود حسن إسماعيل، وبدر شاكر السياب، ومحمود درويش، وممدوح عدوان، وسميح القاسم.

السيرة

ولد الشاعر عبد الرحمن الأبنودي في 11 أبريل 1938 في بلدة أبنود، بمحافظة قنا، في صعيد مصر لأب يهوى الشعر ويدرس اللغة العربية. أثرى الوجدان العربي بإبداعات كثيرة، وتحتل السيرة الهلالية مكانة متميزة لديه، وكان يعتبرها، حسب قول زوجته نهال كمال، درة أعماله. وتضمّ نحو مليون بيت من الشعر، عكف الشاعر نحو 20 عاماً على جمعها وتدوينها بعدما استمع إليها من رواة السيرة وشعراء الصعيد. وهي ملحمة متكاملة، لا تقل عن البطولات الأسطورية التي سجلها هوميروس لأبطال الإغريق، حاول العرب من خلالها الحفاظ على القيم العليا والمثل، إضافة إلى المتناقضات من الحب والنذالة والتبلد والتضحية، كأنها الحكاية التي حاولت توحيد العرب تحت راية عروبة واحدة حيث تتجلى فيها الحكمة الشعبية العربية، وتعد من أجمل ما عرفته البشرية من ملاحم. كان جوهر هذه الحكاية، زحف قبائل بني هلال، في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، من «هضبة نجد» بعدما جفت مياهها، ليستقروا في تونس بحثاً عن حياة أفضل، وكان عددهم نحو 360 ألف مقاتل، ونقل الأبنودي هذة السيرة وتتبعها ووثقها في ملحمته الرائعة «سيرة بني هلال».

القدس

من قصيدة القدس التي نشرتها نهال كمال هذا العام في الذكرى الثالثة ولم تنشر في حياة الأبنودي:

مين اللي علمني أخالف البشر

وأعشق ضمير الرمل..

والحجر؟؟

وأعلق القلب العنيد

في شوكة الصبار؟

وانساها بحر وريق

عجاج وحفيف

وارمي ورايا النهر والأشجار

والأهل والسّْمار

واعشق سراب كأنه طعم الشراب

في مكان بعيد..

أبعد من الغربة وصوت المطر؟

مين اللي نقل الصحرا في قلبي

وحرمها طعم الضل يا ربي

تمشي معايا الصحرا وتدور بي

حواليا..

فين ما باحّا..

والا العيون اللي تملي تهل

من المدى.. وتاخدني للمجهول

ولا كنت أعرف في زحام الناس

إن الكتير بيقل

والانتظار بيطول

وبنتقتل إحساس

ورا إحساس

كانت تاخدني الدنيا على كيفها

دلوقت واخداني على كيفي