كتاب «سيرتي وأسرارهم» للدكتورة لوتس عبدالكريم ضمَّ الكثير من المعلومات والحكايات المهمة لأهم الشخصيات السياسية والأدبية والفنية المصرية، كان بودي الإشارة إليها جميعا، لكن مجال المقال لا يتسع لها، لذا اخترت من بينها بعض من كان له دور في حياتي وأثر بي عن قرب أو عن بُعد، ومن هذه الشخصيات الصديق العزيز د. فؤاد زكريا، الذي كان له دور مهم في حياتي، وخاصة الفترة الحزينة الحرجة بعد وفاة زوجي، كان مثالا للصديق المعلم والمربي الذي أنار لي دربي في أحلك الأوقات، وعندما قرأت حواراته مع د. لوتس تذكرت تماما ما كان يقوله لي دائما ويرشدني وينصحني به، لكن للأسف تمنيت لو أني كنت بعمر وبوعي أكبر، حتى استوعب أفكاره، التي كنت أعارضه فيها، وكان صبره عليَّ، لأنه قدَّر كتاباتي، وأدرك حينها جماليتها الفنية أكثر مني، أدركت فيما بعد قيمتها الفنية، واكتشفت أن الإبداع يسبق الوعي، وهذا أمر مهم جدا تمنيت لو أنه مازال حيا لأقول له عن اكتشافي المتأخر هذا. ومن أجمل ما قالته د. لوتس هذا المقتطف: «كل التوجهات البشرية فيها جانب من التقييد، وبالتالي انعدام الحرية. أما الفنان، فهو صاحب المهنة أو المهمة الوحيدة التي يكون له منها حرية مطلقة، وعالم الحرية ممتع بالطبع، وهذا ما يجعل من الفنانين طائفة تعتز بعملها أكثر من معظم البشر الآخرين، والفنان في كل الحالات لا يتوقف عن ممارسة الفن، حتى لو وجد صعوبة في الحياة، حتى لو لم يستطع أن يعيش من فنه، حتى لو حاربه المجتمع. أما العالم مثلا، أو المهندس أو... فإذا وجد أن مهنته غير مربحة أو تعود عليه بأضرار، فإنه سيتوقف عن ممارستها. ميزة الفنان أنه يعمل، وعمله غاية بذاته، وليس وسيلة لشيء آخر، حتى لو كان يكسب ويرتزق من الفن، هو يمارس الفن أولا، وبعد ذلك يمكن أن يعود عليه هذا الفن بمكاسب أو أرباح».

رحم الله د. فؤاد زكريا، سيد الحجة والمنطق عاشق الحق وعاشق الكويت.

Ad

من أجمل وأرق ما كتبته د. لوتس عبدالكريم كان بحق صديقة عمرها الملكة فريدة، زوجة الملك فاروق الأولى، ومحبوبة الشعب المصري، عايشتها في أصعب أوقاتها، وكتبت عن معاناتها، بعد أن جُردت من كل ما تملكه من ثروات ومال، وباتت بوضع صعب جدا، وهو ما جاء ذكره بالكتاب بشكل مؤلم وحزين، ما أشعرني بالأسف واللوم على رجال الثورات حين يمتلكون القدرة على الظلم الفاحش، ولا أدري لماذا حين يستولون على كل شيء لا يتركون بعضا من العيش بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية لمن لم يؤذِ أي أحد بحياته مثل الملكة فريدة. وهذا مقتطف يكشف عن شخصيتها: «ذات حس مرهف، وذوق رفيع، وثقافة وذكاء حاد، وشفافية وحدس لا يخيب، تحب الأصالة والبساطة، وكل ما هو أصيل وبسيط، تمقت الكذب والنفاق والخوض في السير، قليلة الثقة في الناس، ذات نزعة صوفية عميقة وزهد وتجرد وإيمان راسخ بالله ومعجزاته، تحيط بيتها وكتبها وملابسها وحقائبها بالمصاحف والأحجبة والأدعية والتعاويذ، وإلى جانب القرآن الذي تحفظه، كانت تقرأ الإنجيل والمزامير، وتحفظ كثيرا من كلماتها».

«عاشت الملكة فريدة بشقة متواضعة أجَّرتها في حلوان بقروشها المحدودة التي سمحت بها السلطات الحاقدة، شقة دون ثلاجة أو بوتاجاز، هل هناك وحشية وحقد وانتقام أبلغ من هذا؟».

وتضيف د. لوتس: «كانت والدتها المسنة تسكن معها، وتنام على أريكة (تاكي) متواضعة مكسوة بالكليم، وقد رأيت كيف ينام حفيدها (ساشا) ابن ابنتها الأميرة فادية في زيارة لها، حيث فرشت له على الأرض ملاءة، وتحت رأسه بعض الثياب».

ومع هذا رفضت أن تبيع أسرار الملك فاروق بكل ما عُرض عليها من أموال لكتابة مذكراتها معه، وقالت عنه، كما ورد بالكتاب: «كان نقيا، ولم يكن على ذلك السوء الذي وصفوه به، وكنا أطفالا وبيننا دُهاة وخبثاء وعجائز، تسببوا جميعا فيما صرنا إليه».

وأكثر المشاهد براءة ونقاء حين قدمت للجنة المصادرة كل ما تملكه من مجوهرات لا تُحصى، ولم تكن اللجنة تعرف ما يحويه المكان، وكمية ما تمتلكه، واستدعتهم بعد خروجهم، لأنها عثرت على بروش من الألماس الخالص نسيت أن تعطيه لهم.