أصدر البنك المركزي الإنكليزي "بنك أوف إنغلاند" منذ عامين عملة ورقية جديدة من فئة 5 جنيهات، حملت العملة على أحد وجهيها صورة ونستون تشرشل الزعيم البريطاني الراحل لتكون أول صورة لزعيم بريطاني في تاريخ بريطانيا الحديث تطبع على عملات ورقية، ووضعت تحت صورة تشرشل عبارة للقائد البريطاني الشهير الذي قاد البلاد وقت الحرب العالمية الثانية، قالها في خطابه أمام مجلس العموم عام 1940، وهي: "ليس لدي ما أقدمه سوى الدم والتعب والدموع والعرق".

عُين القائد العسكري الأهم في تاريخ بريطانيا الحديث عند اندلاع الحرب الثانية سنة 1939 وزيراً للبحرية، ثم شغل منصب رئيس وزراء بريطانيا عام 1940، واستمر فيه خلال الحرب العالمية الثانية وذلك بعد استقالة تشامبرلين. استطاع رفع معنويات شعبه أثناء الحرب، حيث كانت خطاباته إلهاماً عظيماً لقوات الحلفاء، كان أول من أشار بعلامة النصر بالإصبعين السبابة والوسطى.

Ad

حصل على جائزة نوبل في الأدب لسنة 1953 للعديد مِنْ مؤلفاته في التاريخ الإنكليزي والعالمي، ولعل خطبه التي كان يكتبها ويلقيها خلال الأيام العصيبة التي مرت بها بريطانيا أثناء الحرب والغارات الجوية الألمانية الكاسحة على لندن تبرهن على أن تشرشل جمع ما بين السياسي الداهية والأديب الموهوب والقائد الذي عرف كيف يفكر شعبه، ومفاتيح شخصيته، وكيف يزرع فيهم من القوة ما يمكنهم من تحدي ما يبدو مستحيلا.

كان الشعب البريطاني وقتها مهيأ لمثل هذا القائد، وكان هذا القائد على دراية بأسلوب شحذ همة شعبه وقيادته لتحقيق ما بدا في وقت من الأوقات أمرا مستحيلا، لكنه هنا لم يلعب على أوتار العاطفة متجاهلا الواقع، ولم يعط وعودا غير قابلة للتطبيق، بل كان كان صريحا، أمينا، مواجها، لم يعط وعودا إنما أعطى التزامات على نفسه مقابل التزامات على شعبه ليتمكنوا معا من تحقيق حلم كان صعب التحقيق.

عندما أنظر في الحالة المصرية اليوم أجدها أشبه بالحالة البريطانية وقت تشرشل، وجه الشبه هنا أن بريطانيا كانت تمر وقتها بفترة صعبة، على شفا انهيار وهزيمة، واقتصاد حرب منهار، وحالة تبدو ميئوسا منها، نحن اليوم في مصر نمر بأزمة حقيقية، اقتصاد يمر بفترة صعبة وجهود كبيرة للإصلاح وإجراءات ضاغطة على معظم المصريين، وحالة مواجهة داخلية مع قوى تدفع لانهيار الدولة وتمزيق المجتمع، وحرب مع إرهاب تحاول قواه أن تقضي على روح الأمل لدى المصريين، لكن وجه الشبه الأكبر هنا هو تلك الحالة النفسية والمزاجية التي مر بها الشعبان، كلاهما امتلك روح المقاومة والتحدي والرغبة في الانتصار على تجربة وحالة تبدو فيها عناصر الفشل أكبر من عناصر النجاح، كان الإنكليز محظوظين عندما وجدوا قائدا يقودهم نحو تحقيق الانتصار.

المصريون الآن يمرون بمرحلة نادرة الحدوث، تلك الحالة من الإصرار والرغبة في التحدي والتوحد حول هدف هو الرغبة في الخروج من عنق الزجاجة وبناء دولة قوية يمتلك مصيرها أبناؤها، والهدف الآن هو أن تعمل القيادة على أن توحد المصريين على هدف جامع وهو أنه لا بديل إلا الانتصار. إذا ما نجحت القيادة في أن تُشعر الجميع برغبة شديدة واستعداد حقيقي للعطاء والتوحد من أجل تحقيق الحلم فهذا هو الطريق، والمصريون يريدون أن يشعروا دائماً بالثقة بأنهم قادرون على التحدي، وأن يصلوا إلى تلك الحالة التي تمكن قيادتهم من أن تقول لهم كما قال تشرشل لشعبه، الحقيقة، حقيقة أنهم يواجهون وضعا صعبا ومخاطر حقيقية وتجربة يعتقد كثيرون أنها لن تكون إلا تجربة فشل ورمال متحركة يغرق فيها الجميع، لكنهم قادرون أن يتخطوها ويحققوا ما يعتقده كثيرون مستحيلا بتلك الروح الجديدة والقدرة على استغلال هذه الروح. القيادة التي تواجه الشعب بالحقيقة وتضع نفسها في مقدمة من يدفع العرق والدم والدموع، هي التي ستمتلك موقعها الجديرة به في التاريخ.

لم تتوقف وعود تشرشل عند مجرد الحديث عن الألم والدم والدموع، لكنه أيضاً وعدهم "بالنصر... النصر بأي ثمن".