تذهب الباحثة الأميركية "وولبريدج" كما بينا، إلى أن "حزب الدعوة"، الذي نشأ في مدينة النجف في العراق، ورغم أن علماء الدين الشيعة هم مؤسسوه، وأن الجماعة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهذه المدينة ذات المكانة المتميزة للأصولية الشيعية، فإن مكانة العلماء فيها محدودة باعتبارات معينة.

وتقول الباحثة "يمتد استياء "الدعوة" من العلماء إلى أبعد من مسائل مثل اتجاه القبلة وأوقات الصيام الدقيقة، إنهم يشعرون أن إضفاء التبجيل على المراجع والعلماء عموماً قد يؤدي إلى الفساد والافتقار الى المبادرة من جانب المؤمن العادي وغياب المسؤولية. وقد أغضب ميلهم إلى الاستفهام عن الحجج وراء قرار ما أو رأي بعض العلماء من أتباع الدعوة وأدى إلى نفرتهم. ويجد العلماء الأمر مروعاً حينما تتعرض آراؤهم وآراء المرجع للتحدي. لقد وصف لي شخص كان يزور منطقة "ديترويت" أنه كان جالساً مع أصدقاء، لهم تفكير متماثل وكان يسأل عالما عن أحد آراء المرجع في مسألة معينة. أعطى العالم جواباً، غير أن الحاضرين أصروا على أن يوضح إن كان ذلك رأيه أم رأي المرجع. صعق العالم، ووبخ الحاضرين بسبب ما اعتبره عنجهية من جانبهم، على الرغم من أن العلماء يهتمون بكسب هذه المجموعة بسبب مستواها التعليمي العالي وإمكانيتها في التأثير وقدرتها على كسب المال، إلا أنهم يلتزمون الحذر تجاههم بسبب استقلال تفكيرهم وتعبيرهم عن آرائهم بصراحة".

Ad

(العرب في أميركا، ص97).

وبعكس أعضاء "حزب الدعوة" تجد الباحثة أتباع "حزب الله"، "أقل تحدياً لأنهم ينظرون إلى العلماء من المستويات كافة لقيادتهم، ولا يطلبون من علمائهم سوى الاهتمام بفرض الشريعة وتولي دور نشيط في تقريب الناس الى الالتزام الشرعي بالإسلام".

وفي تجمع ديني استضافه شيعة باكستانيون، تقول الباحثة، تم اختيار متحدث إسلامي ليس "عالماً"، ليخاطب الجمهور، على الرغم من وجود عدة علماء بارزين في القاعة، وهو إسلامي نشط في المجال السياسي، من أجل تعزيز حقوق الشيعة في العراق (في زمن النظام السابق).

وتقارن الباحثة بين الجماعتين سياسياً فتلاحظ قائلة: "يختلف أنصار حزب الله والدعوة في جوانب أخرى، فالمرتبطون بحزب الله، باتباعهم خامئني، يؤكدون رغبتهم في أسلمة الحكم والمجتمع، ويرى هؤلاء أن خامئني رمز انتصار الإسلام على العلمانية الغربية، وبسبب نفورهم من القيم والتقاليد الغربية لا يشعرون بالضيق من دعم شخص يكون من الواضح أنه على خلاف مع الحكومة الأميركية، وعلى الرغم من اشتراك أنصار الدعوة في بعض النشاطات المعادية للغرب فإن لهم عموماً منظوراً أوسع وأكثر واقعية، إنهم يدركون جيداً الحاجة الى العمل مع الآخرين لتحقيق التغيير. ومن مشاغلهم المهمة مصير العراق وسكانه الشيعة الكثيرون".

وتلاحظ الباحثة كذلك أن الشيعة العراقيين في الولايات المتحدة يرتبطون عادة بحزب الدعوة، فيما ينتمي الشيعة اللبنانيون إلى حزب الله، ورغم ذلك ثمة صلات وثيقة بين الشيعة اللبنانيين والشيعة العراقيين في الولايات المتحدة "إذ تميل كلتاهما إلى مشاطرة المساجد إلى حد لا تبلغه المجموعات الشيعية المواطنة الأخرى. والأرجح أن يكون العلماء العراقيون خطباء ورواة في مجالس العزاء في شهر محرم، وثمة درجة كبيرة من التفاعل بين المجموعتين، ويتمتع العراقيون بسمعة كبيرة بين اللبنانيين بسبب صلاتهم بالمدن المقدسة".

ماذا عن التفاعل السني- الشيعي في المناطق التي يقيم فيها أتباع المذهبين؟ تقول الباحثة: "حافظ الشيعة الاثنا عشرية في الولايات المتحدة على هوية منفصلة قوية، وعلى الرغم من أن السنّة والشيعة يؤمون مساجد بعضهم بعضا أحياناً لأداء صلاة الجمعة، يبدو أن الشائع أكثر هو أن يصلي السنّة في مساجد الشيعة- بالتأكيد في مؤسسة شيعية- في كوينز بعد ظهر يوم الجمعة. لم تصبح هذه الحقيقة معروفة لديّ إلا بعد أن وجدت نساء فلسطينيات يرتدين الزي الفلسطيني يؤدين الصلاة هناك، وعندما سألت عن السبب أجبن أنهن لا يأبهن للفرق بين السنّة والشيعة وأيدت النساء الشيعيات الاثنا عشرية حولهن أنه "لا يوجد فرق" غير أن الشعائر وبعض المعتقدات لدى الشيعة تجعل من الصعب تجاهل الاختلافات كافة، وفي مسجد صغير على جادة "أتلانتيك" في بروكيلين قال الشيخ الذي قدم من مدينة كربلاء المقدسة إنه يلبي حاجات أميركيين- أفارقة كثيرين يعتنقون الإسلام ولا يهتمون إطلاقا بالفروق الشيعية- السنية، غير أن هذا ليس النمط المعهود في الجاليات الإسلامية".

وتبين ملاحظات الباحثة بعض ما يعوق تقارب الشيعة والسنّة في أماكن كثيرة، ومنها الولايات المتحدة، حيث تميل الثقافة الاجتماعية إلى تذويب الأقليات و"صهر مختلف الجماعات في البوتقة الأميركية"، كما كان يقال دائماً.

تقول الباحثة عن مراسم عاشوراء: "وثمة أسباب كثيرة لعدم تحمس الشيعة للانضمام إلى السنّة في الولايات المتحدة. وهي أسباب لا علاقة لها بالتقارب في الرأي بل بواقع محاولة إبقاء التقليد الديني حياً في مجتمع يميل إلى مجانسة الأديان. إن الجمع بين السنّة والشيعة في شؤون المساجد المعتادة يعني بصورة شبه مؤكدة اضطرار الشيعة الى قبول الحلول بالإمام الحسين، التي تشكل جزءا كبيراً من حياتهم الدينية. وفي السعي إلى التوصل إلى قاسم مشترك مع السنّة ستكون تلك الشعائر هي الضحية وحتى أنصار حزب الدعوة المتحمسون لعودة المبادئ الأساسية غير مستعدين للتنازل عن أداء طقوس شهر محرم وغيرها. وقد لا يشعرون أن العويل والأشكال المتطرفة من الندم التي تمارس أحياناً مناسبة، إلا أنهم لن يمتنعوا حتماً عن إحياء ذكرى أحداث كربلاء".

وقد تنشب بين الشيعة أنفسهم هناك خلافات لأسباب غير مذهبية، تولد توترات أحياناً!

وقد زارت الباحثة ذات مرة "المسجد اللبناني" في لوس أنجلوس في مارس 1996، فوجدته "خالياً تقريباً من الزخرفة، باستثناء صورة لعلي خامئني- مرشد الثورة الإيرانية- بجانب صورة للخميني، وقد تبين لها فيما بعد أن من يؤمون هذا المسجد ويصلون فيه يقلدون في الواقع السيد السيستاني لا خامئني، وعرفت الباحثة أن عدداً كبيراً من أتباع السيد فضل الله يؤدون الصلاة في هذا المسجد، وتضيف: "وبسبب تباين الآراء بشأن المرجع تقرر عدم تعليق أي صورة، إلا أن أنصار خامئني أصروا على تعليق صورته وبعد تعليقها تردد الناس في إنزالها" (ص100)

وتبحث "د. وولبريدج" أثر التطورات السياسية في المرجعية الشيعية فتلاحظ أنه "منذ نشوب الثورة الإيرانية اكتسبت مؤسسة المرجعية اهتماماً متزايداً بين الأكاديميين والشيعة أنفسهم. كان المرجع، تقليدياً، شخصية دينية يوجه الناس في أمور الواجبات والشعائر الدينية، غير اأنه منذ الثورة الإيرانية وإمكانية تولي المرجع دوراً أكبر في قيادة الشيعة روحياً وسياسياً وهو في طليعة المناظرات في الجالية الإسلامية الشيعية، وعلى الرغم من أن معظم الشيعة لا يتمنون حقاً إسلاماً مسيساً، بما في ذلك مرجعية مسيسة، فإنه حتى أولئك الذين يرون الإسلام قوة سياسية لديهم آراء متباينة نحو دور المرجع". (ص100).

وتقول ملخصة ورقتها حول المجموعتين إن جماعة "الدعوة"، تستلهم كتابات السيد محمد باقر الصدر، مؤسس "الدعوة"، والأخرى "حزب الله" كانت تتبع السيد الخميني في حياته، وتضم الآن أتباع خلفه السيد "خامئني"، وهما على خلاف بشأن الدور الذي ينبغي على المرجع أداؤه في حياة الناس: "في رأي حزب الله المحافظ دينيا أن المرجع هو قائد معصوم تجب طاعته في جميع الأمور، سواء أكانت دينية أم دنيوية. وبالنسبة إلى الشخص المرتبط بالدعوة فإن دور المرجع محدد على نحو أضيق كثيرا، إذ يفترض في المرجع ألا يصدر الفتاوى إلا في الشريعية وليس في الأمور التي تتطلب الخبرة في مجالات تخصص أخرى. وتحترم هذه المجموعة المرجع لقيادته في الإصلاحات الدينية الاجتماعية مثل تعزيز حقوق المرأة والتوفيق بين العلم والدين، وإيجاد السمات المشتركة بين العقيدة الشيعية والسنية".

وتقترح الباحثة مخرجاً لتوحيد الشيعة في الولايات المتحدة كما فعلت الجماعات الدينية الأخرى فتقول: "ثمة إمكانية في هذا البلد لتوحد الشيعة حول مرجع واحد يساعد الناس في النهاية على التغلب على الخلافات العرقية والقومية، مثلما يفعل الروم الكاثوليك في النهاية في الولايات المتحدة. غير أن الشيعة ينبغي أن يقرروا قدر الدور الذي يتولاه المرجع في تحديد الأبعاد الدينية للجاليات المختلفة، هل يكون المرجع من يلجأ إليه في الأمور الشخصية والحياة الطائفية كافة، أم يكون رئيساً صورياً ورمزاً لوحدة الشيعة؟ هل يتناول المسائل السياسية أم يعزل عن اضطراب العالم ولا يتناول سوى المسائل الدينية والشعائرية المحضة؟ إن الجاليات الشيعية تعمل حالياً على إيجاد الإجابات عن هذه الأسئلة". (ص101).