تقوى شوكة اليمين الليبرالي العنصري ويرتفع صوته القبيح، كما ذكرنا من قبل، أثناء الأزمات الاقتصادية الرأسمالية، حيث يعمل على دغدغة عواطف الناس وتسطيح المشاكل العامة، ويفسر الأزمة الاقتصادية تفسيراً سطحياً تافهاً لا يحتاج إلى تفكير عميق، بل إنه شغل الناس في خلافات وهمية تكرس التفتيت الاجتماعي وتلهيهم عن قضاياهم المعيشية والوطنية المشتركة.

وهي خلافات تدور غالباً حول الأصول والدين والمذاهب ولون البشرة، وتشتت انتباه الناس، وتصرف أنظارهم عن الأسباب الحقيقية للأزمة في محاولة بائسة لإبعاد المسؤولية عمن تسبب فيها، وذلك مثلما حدث ويحدث في أميركا ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا منذ الأزمة الاقتصادية الرأسمالية التي انفجرت عام 2008، ويحدث هنا أيضاً في خطاب اليمين الليبرالي العنصري تجاه الوافدين، وأحياناً تجاه المواطنين أنفسهم، حيث يركز خطابه العنصري الكريه على تقسيمهم تارة بحسب أصولهم ومذاهبهم، وتارة أخرى بحسب تاريخ قدوم أسلافهم أو الجهة التي قدموا منها للكويت.

Ad

ثم يوهم هذا الخطاب بعض الناس أن أسباب مشاكلهم العامة والأزمة الاقتصادية والمالية، بل طبيعة الصراع السياسي في المجتمع كلها تعود إلى الاختلافات الطبيعية الموجودة بين الأصول والأنساب والمذاهب، في حين الصراع الأساسي، كما ذكرنا من قبل، هو في حقيقته صراع مصالح اقتصادية، أي مصالح طبقية لا علاقة لها بالأعراق والطوائف ولون البشرة.

ومن أسف أن بعض المواطنين ينساقون، بحسن نية، وراء الخطاب العنصري البغيض نظراً لبحثهم عن تفسير سهل للأزمة الاقتصادية الطاحنة من جهة، ولسيطرة دعاته ومن يرعاهم ويدعمهم ويشجعهم من كبار الأثرياء الذين تسببوا في الأزمة الاقتصادية وينبغي محاسبتهم، على وسائل الإعلام المؤثرة على الرأي العام من جهة أخرى، وذلك على الرغم من أنه خطاب سطحي وتافه مليء بالمغالطات، حيث يكشف جهل مسوقيه بتاريخ الكويت وكيفية تكونها وما حدث لخريطة الكويت بعد مؤتمر العقير الشهير بتاريخ 2 ديسمبر 1922.

إن أي شخص موضوعي وعاقل يعرف أن شعبنا متعدد الأصوال والأعراق والمذاهب والأديان أيضاً، فالدولة تكونت تاريخياً نتيجة هجرات بشرية متتالية من دول الجوار، وبالذات من الجزيرة العربية وإيران والعراق، وازدادت وتيرتها بعد اكتشاف النفط وبداية قيام الدولة الحديثة، خصوصاً بعد تهديد الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم عام 1961 بضم الكويت، وهو الأمر الذي عجّل، ضمن أسباب داخلية وخارجية أخرى بالطبع، في إصدار الدستور ووضع تشريعات وقوانين دولة حديثة من أهمها، في ذلك الوقت، قانون الجنسية، ثم البدء بنشاط سياسي ودبلوماسي جاد للبحث عن اعتراف عربي (جامعة الدول العربية) ودولي (هيئة الأمم المتحدة) بالدولة الكويتية الوليدة والصغيرة من أجل دحض مطالبات العراق المزيفة، والذي لم يكن من الممكن أن يتحقق، أي الاعتراف العربي والدولي، من دون وجود مقومات الدولة، ومن أهمها وجود شعب، إذ لا دولة من دون شعب.

وعلى أي حال، فإن أصوات اليمين الليبرالي العنصري لن تتوقف عن بث خطاب الكراهية بهدف إشغال المواطنين في قضايا تافهة؛ كي لا يتوحدوا في الدفاع عن قضاياهم المعيشية والوطنية المشتركة، وهي أصوات عنصرية قبيحة موجودة في كل بقاع العالم، ولكن المشكلة عندما تتحول الأصوات العنصرية إلى سياسات وقرارات عامة تتبناها الحكومة!