محطات عديدة ومجيدة أمرها ثانيةً بعد ثانية في بلد الحضارة تونس، وما أدراك ما تونس، الأرض الطيبة الخضراء التي علمت الدنيا وما زالت تعلم العالم في كل حدب وصوب، فأول دستور سطر في العالم سطر في تونس، وهو ما يسمى "دستور قرطاج"، وأول دستور بمعناه الحديث في الوطن العربي هو دستور 1861، وهو دستور أعد بعد ثورة الحركة الإصلاحية التي كان يتزعمها المناضل خيرالدين التونسي، وهو دستور يعد تجسيداً لدستور "عهد الأمان" الصادر 1857 الذي سطر لسكان تونس قبل قرن ونصف مجموعة من الحقوق والحريات أيا كانت ديانة ومذاهب وعرق هؤلاء، ومن تونس بدأت موجات التحرر والثورة على الأنظمة الفاسدة، وكان شرارة الربيع العربي، التي لا تزال تونس هي زهرته الناضرة المبشرة بالخير، لذا فلا عجب أن تكون تونس "قبلة الديمقراطية"، وحاملة مشاعل العلم والإصلاح لبلدان العالم العربي.

مع زيارتي الرابعة لتونس تزيد الصورة أمامي وضوحاً وإشراقاً، فبعد الثورة كانت زيارتي الأولى، وكنت أخشى على تونس من القلاقل والتوتر، لكنني بدأت أتفهم الأمور بشكل أكبر في الزيارة الثانية، وأن التونسيين ليس لديهم أي نية للتراجع عن خطواتهم الفارقة في التاريخ، ولن يتنازلوا أبداً عما حققوه من مكاسب، وعما تنفسوه من حرية، والآن وبعد العديد من الزيارات، أستمتع بأجواء تونس الساحرة، وأرى زهرات الربيع العربي تثمر في سماء الحرية، وتشرق على أرض تونس الغالية.

Ad

هكذا هي جلساتي ومحطاتي في تونس تتنقل بين مشاعل العلم والمعرفة، طلباً للحكمة ورغبةً في التواصل مع العلماء والحكماء، وما أسعدني وأنا أستمع إلى الكلمات الحكيمة الساحرة من أستاذنا الدكتور عبدالسلام الفطناسي، أستاذ القانون الدستوري الذي أسعدنا بمحاضرته ونقاشه وأفكاره النيرة والمبهرة حول الأنظمة السياسية في العالم، ويا لها من كلمات تكتب بماء الذهب لأنها تسطر دروس التاريخ، وتخط معالم الحضارة الإنسانية وأسس التقدم الإنساني.

مشعلٌ كويتيٌ من مشاعل النور والفخر يضيء لي ولكل كويتي أروقة الحياة والعلم في تونس، هذا هو الوصف الأمثل لسفيرنا الشاب الحكيم في تونس علي أحمد الظفيري، ففي لقائي الأول معه كنت معجباً بطموح وحماسة الشباب فيه، حماسة مقترنةً بالعلم والمعرفة، وفي هذه الزيارة أجد الحكمة والخبرة تزيدانه علواً وهمةً وفكراً متقداً في كل المجالات، ليثبت يوماً بعد يوم أنه ليس سفيراً في حدود السفارة فقط؛ إنما في أروقة تونس جمعاء، ليعطي انطباعاً مشرفاً عن الوطن والمواطن والمثقف والدبلوماسي الكويتي.

وقد يكون من حسن الحظ بالنسبة إلي أن تكون زيارتي متوافقة مع زيارة الشعبة البرلمانية للصداقة الكويتية التونسية، التي استطاع سفيرنا الشاب الحكيم أن يرسم دروبها بعناية ودقة تعبر عن العلاقات التاريخية الكبيرة بين البلدين، وتعزز أوصالها وتسعى إلى تطورها، فالعلاقة بين البلدين الشقيقين بدأت مع ما يسمى "ثورة عبد الكريم قاسم" عام 1961، والدور التاريخي والكبير للزعيم الحبيب بورقيبه رحمه الله، حيث كلف أمير دولة الكويت الراحل الشيخ عبدالله السالم "أبو الدستور"، وزير ماليته في ذلك الوقت الأمير الراحل "أمير القلوب" جابر الأحمد رحمهما الله، بالسفر إلى تونس والتماس حاجتها، فكان أول تعاون محطة الكهرباء الكويتية في تونس، والتي لا تزال تعمل حتى هذا اليوم، شاهدةً على مشاعل النور والأخوة الكويتية في تونس، وحاملةً مشاعل النور والعلم والحضارة من تونس إلى الكويت، هذا بالإضافة الى الدور الحالي في إنشاء وتجديد ودعم المدارس والمستشفيات التونسية والتي يشرف عليها سفيرنا المجتهد علي، والذي لا أجد إلا وصف "السفير الشامل" مناسباً له على كل ما يبذله من مجهودات مشرفة في الحبيبة تونس.

أرجوحة أخيرة:

ما زال صديقي الطيب الخبيث يسألني عن "حبيبتي في تونس"؛ ولكنه لا يدرك كما أدرك الجميع أن الحبيبة هي "تونس"، بكل جمالها وعظمتها وحضارتها وشعبها الكريم، وسفيرنا الشاب الحكيم علي، فلله درك "يا علي".