أكثر من مرة شاهدت مشاري العنجري حين كان وزيراً للعدل في فترة من التسعينيات يتلثم بالغترة ويدخل بهدوء بوابة قصر العدل، ليراقب العمل الإداري، ويتأكد من حسن سير هذا المرفق الذي يعد من أهم المرافق العامة في الدولة، لأنه يتعلق بالعدل وحسن سير العدالة في الشق الإداري التنفيذي منها، مشاري كان يتلثم كي لا يعرف الموظفون وجمهور المراجعين شخصه، وكي لا يلفت أنظار العاملين بالقصر حتى يشتط ويتحمس بعضهم ويظهروا أنفسهم كعاملين ملتزمين بخدمة الناس على غير الحقيقة وفي غياب الرقابة الإدارية المفترضة.

مشاري كان يقوم بجولاته للمراقبة دون أن ترافقه طوابير المصورين والإعلاميين، كما تفرض أصول البهرجة والتألق الأجوف الذي يمارسه الكثير من جماعة حزب سعادتهم ومعاليهم اليوم، وهم يفرضون ذواتهم علينا ببشوتهم الزاهية، يقصون شريط افتتاح مكتب مرة، أو يقطعون كعكة احتفال إنشاء مبنى أو مؤسسة، مرة أخرى، وكأنهم بنوها بجدهم ونضالهم، ولكي يذكر التاريخ بصمتهم الكبرى بأن هذا تم في عهودهم المجيدة.

Ad

كانوا ومازالوا نجوماً بائسين في "الشو" الإداري - السياسي الذي هو من الملامح الفارقة لدول "الشكل" الخاوي المدمنة تقديس وثن السلطة بكل أشكالها.

في الحقيقة لم يكن مشاري في ذلك الوقت بحاجة إلى مثل تلك الجولات التفتيشية الرقابية، لو كان الجهاز الإداري في العدل أو أي وزارة أخرى يعمل ببيروقراطية كفؤة منتجة مستظلة بحكم القانون وبضمير متفان، يرى الموظف فيها أن الوظيفة العامة تعد تكليفاً لا تشريفاً لصاحبها، لكن لعل مشاري وغيره يدركون تماماً واقع الدولة وترهل أجهزتها وغياب الرقابة وروح العمل الجاد في معظم إداراتها، فكانت تلك الزيارات المتسترة له ضرورة أملاها واقع الإدارة ذلك الوقت.

الآن، لنسأل الوزير العفاسي ما إذا كان يعلم ويدرك كيف يسير مرفق الإدارة في وزارة العدل؟ وهل زار مثلاً قسم الإعلانات لصحف الدعاوى؟ وهل يدري كيف يسير قسم سكرتارية الجلسات في محاكم الرقعي أو حولي أو قصر العدل؟ وكيف يلتزم بالعمل جهازه الإداري وكيف يتعاملون مع المراجعين الذين عليهم زيارة تلك الإدارات للحصول على ورقة ما كمحضر جلسة أو ورقة إعلان أو تقييد صحيفة دعوى؟! هل سأل الوزير رؤساء الأقسام هناك كيف تسير الأمور في دوائرهم؟ وهل لهم سلطة واقعية على العاملين؟ هل يستطيعون تنبيه الموظف "الكويتي" وتحذيره كما كانوا يفعلون قبل "تكويت" هذا الجهاز؟ أم أن واقع الجنسية يعني أن صاحبها فوق المساءلة...؟

هل يشغل عمل هذا الجهاز أو غيره من إدارات الدولة، وهي في حمى التكويت، وهذا ضرورة بطبيعة الحال لكن ليس على حساب الخدمة العامة وتردي الأداء فيها، فكر هذا أو ذاك الوزير؟! هل يدري الوزير أن سوء الخدمة ورداءتها هو شكل من أشكال الفساد ولعله أبشع صوره؟! هل يشغل بالك كل ذلك يا حضرة الوزير أم قضية جماعة التبليغ وأين يبيتون شغلت عقلك عن واقع الإدارة؟! كم هو محزن أن نتذكر أن وزارة العدل كان أول وزير فيها هو الراحل حمود زيد الخالد، ومن يكن ذلك الإنسان وتاريخه وماذا صنع فيها، أو دوره الكبير قبل ذلك في المجلس التأسيسي، وكيف انتهينا الآن... من المسؤول عن هذا التراجع...؟ لن تجدوا إجابة من حزب "إحنا أبخص" ونهج إدارته السياسية وطريقة اختياره للمسؤولين في الدولة فالشق عود، ودعوها تسير على البركة، وهي فعلاً تسير لكن للخلف وليس للأمام، ولم نصل، بعد، بهذا النهج إلى قاع الهاوية.