يبدو منذ استقالة المستشارين البارزين غاري كون وهربرت ماكماستر أن البيت الأبيض بإدارة ترامب ازداد فوضى، إن كان هذا ممكناً، ولكن وسط الضجيج والمعمعة، بما فيهما تغريدات مقلقة عن الأمازون والمكسيك، لنكن صادقين. الرئيس محق بشأن نقطة أساسية بارزة: الصين مخادعة في مجال التجارة.

تعاطت واشنطن مع دخول الصين نظام التجارة العالمي بالطريقة ذاتها التي تعاملت بها مع دول أخرى انضمت إليه نحو منتصف القرن العشرين، فمع قبول هذه الدول فتح العالم الحر (وخصوصاً الولايات المتحدة) أسواقه أمام الوافدين الجدد، وفي المقابل عمدت هذه الدول إلى خفض الحواجز التي تعوق ولوج أسواقها، وعلى هذا النحو سارت المسائل في أمم مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، ولكن ثمة عاملان بارزان ميّزا هذه الدول: كانت صغيرة نسبياً مقارنة بحجم الاقتصاد العالمي، وكانت تعيش تحت المظلة الأمنية الأميركية، وعنى كلا هذين العاملين أن واشنطن والغرب تمتعا بتأثير كبير في هؤلاء الوافدين الجدد.

Ad

كانت سنغافورة تضم 2.2 مليون نسمة، وتملك ناتجاً وطنياً إجمالياً يبلغ 19 مليار دولار عندما انضمت إلى الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة (سلف منظمة التجارة العالمية)، في حين بلغ عدد سكان كوريا الجنوبية 30 مليوناً وناتجها الوطني الإجمالي 41 ملياراً، أما اليابان فكانت أكبر مع 90 مليون نسمة وناتجاً وطنياً إجمالياً أقل بقليل من 800 مليار دولار.

أتت بعد ذلك الصين مع 1.3 مليار نسمة وناتجاً وطنياً إجمالياً بقيمة 2.4 تريليون دولار عندما انضمت إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، وقد عادل ذلك نحو خُمس الاقتصاد الأميركي، فأدرك الصينيون، على ما يبدو، أن حجم سوقهم سيضمن، عند انضمامهم إلى النظام، سعي كل الدول إلى دخولها، وأن هذا سيمنحهم القدرة على الخداع من دون الخوف من العقاب، وعلاوة على ذلك لم تعتمد بكين مطلقاً على واشنطن لصون أمنها، بل خاضت حرباً ضد الجنود الأميركيين في خمسينيات القرن الماضي، محققةً نجاحاً محدوداً، كذلك نمت الصين لتصبح قوة عظمى قائمة بذاتها.

يُعتبر اندماج الصين في نظام التجارة العالمي حدثاً مزلزلاً نظراً إلى حجمه وسرعته، فالخبير الاقتصادي المتميّز ديفيد أوتور نشر، بالتعاون مع زميلين له، الدراسة تلو الأخرى عن تأثير ما دُعي "صدمة الصين"، واستخلصوا أن من الممكن إرجاع نحو ربع وظائف التصنيع التي فُقدت في الولايات المتحدة بين عامَي 1990 و2007 إلى فيضان الواردات الصينية، ولم يسبق أن شهدنا أمراً مماثلاً على هذا النطاق.

لنتأمل الاقتصاد الصيني اليوم، نجحت الصين في عرقلة أو كبح لجام شركات التكنولوجيا الأكثر تقدماً ونجاحاً في العالم، من غوغل إلى فيسبوك وأمازون، كذلك تُضطر المصارف الأجنبية غالباً إلى العمل مع شركاء محليين لا يضيفون إليها أي قيمة، لا بل تخضع الشركات الأجنبية لضريبة، بالإضافة إلى ذلك يُرغَم المصنّعون الأجانب إلى تشاطر التكنولوجيا التي يملكونها مع شركاء محليين سرعان ما يلجؤون إلى الهندسة العكسية، فيصنعون المنتجات ذاتها وينافسون شركاءهم، أضف إلى ذلك السرقة عبر الإنترنت، فالحرب الأوسع والأشمل عبر الإنترنت التي تشنها قوة أجنبية ضد الولايات المتحدة لا تقودها روسيا بل الصين، وتشمل أهدافها شركات أميركية تُقدَّم بعد ذلك أسرارها وملكيتها الفكرية إلى منافسين صينيين.

لا تُعتبر الصين المذنب الوحيد، حيث تلجأ دول مثل الهند والبرازيل أيضاً إلى الخداع التجاري، فقد أخفقت السلسلة الأخيرة من المحادثات التجارية العالمية- جولة الدوحة- بسبب سياسة العرقلة التي اتبعتها البرازيل والهند إلى جانب الصين، لذلك ينبع الخطر الأكبر الذي يهدد اقتصاد العالم المفتوح اليوم من هذه الدول الكبيرة التي قررت الحفاظ على اقتصادات مختلطة، ترفض المضي قدماً في عملية تحرير الاقتصاد، وتتمتع بالقوة الكافية لتتمسك بموقفها بثبات.

ربما لم تختر إدارة ترامب المسار الأكثر حكمةً للمضي قدماً (التركيز على الفولاذ، وفرض الرسوم الجمركية، وتنفير حلفاء أساسيين، والعمل خارج إطار منظمة التجارة العالمية)، إلا أن استياءها مبرر، فمارست الإدارات السابقة الضغط في الكواليس، وعملت ضمن إطار النظام، وحاولت الفوز بدعم الحلفاء، محققةً نتائج محدودة، لذلك أعتبر التعامل بشد مع الصين أحد المجالات التي أُعرب فيها عن استعدادي لتجربة أساليب ترامب غير التقليدية، بما أن كل الحلول الأخرى أخفقت.

*«فريد زكريا*»