من تحرك الدماغ إلى الأعلى وتقلّص العضلات، إلى تورم الأوردة وانتفاخ أوجه الرواد، تُعتبر تأثيرات الجاذبية الصغرى في جسم الإنسان مذهلة على أقل تقدير.

ولكن ما تأثير انعدام الوزن في القلب؟ لما كان هذا العضو الحيوي لا يعود مضطراً إلى ضخ المقدار عينه من الدم عبر الجسم كما عندما يكون تحت تأثير الجاذبية، فتميل الأوعية الدموية بمرور الوقت إلى فقدان مرونتها وسماكتها، ما يزيد خطر الإصابة بداء القلب.

ولكن مقابل كل هذه العواقب السلبية، يكتشف العلماء المزيد من التأثيرات العلاجية المحتملة للسفر إلى الفضاء في قلب الإنسان.

Ad

على سبيل المثال، أظهرت دراسات أن الجاذبية الصغرى، عند محاكاتها في المختبر، تؤثر في خلايا القلب السلفية بطريقة مختلفة وفق سنها. وتُعتبر الخلايا السلفية «أولى الخلايا الناشئة عن الخلايا الجذعية التي يمكنها التمايز لتشكل نوعاً أو أكثر من الخلايا».

كذلك أظهرت دراسات أخرى أُجريت على خلايا فئران جنينية أن محاكاة السفر إلى الفضاء تؤثر في تجذّع الخلايا الجذعية وتمايزها، دافعةً إياها إلى التمايز بسرعة أكبر والتحوّل إلى خلايا عضلية قلبية.

نتيجة لذلك، تساءل باحثون من جامعة لوما لندا في كاليفورنيا عما إذا كان بالإمكان استعمال الخلايا الجذعية المعدلة بهذه الطريقة في إصلاح القلب.

للإجابة عن هذا السؤال، حاكى جوناثان بايو وزملاؤه التبدلات الجزيئية التي تطرأ في بيئة الجاذبية الصغرى واستكشفوا تأثيراتها في تعزيز القدرة العلاجية للخلايا السلفية القلبية الوعائية.

نشر هؤلاء الباحثون اكتشافاتهم في مجلة «الخلايا الجذعية والتنمية».

الكالسيوم

حاكى بايو وفريقه طوال ستة إلى سبعة أيام الجاذبية الصغرى في محطة الفضاء الدولية التابعة لناسا، وزرعوا خلايا سلفية قلبية لأطفال حديثي الولادة طوال 12 يوماً في المختبر الوطني على متن محطة الفضاء هذه.

بحث العلماء عن تبدلات في التعبير الجيني، فاكتشفوا أن بيئة الجاذبية الصغرى «تحفّز تعبير جينات ترتبط عموماً بمرحلة مبكرة من التنمية القلبية الوعائية».

بعد ستة إلى سبعة أيام، لاحظ العلماء تبدلات في مسارات تأشير الكالسيوم يمكن استعمالها، حسبما يؤكدون، لتحسين علاجات إصلاح القلب القائمة على الخلايا الجذعية.

بعد 30 يوماً، نُشّط بروتين (أو إنزيم) كيناز يعتمد على الكالسيوم يُدعىC alpha. وبغية «التعمّق أكثر في تأثير تحفيز الكالسيوم في [الخلايا السلفية القلبية] لأطفال حديثي الولادة»، نشّط الباحثون بروتين كيناز على الأرض لتعزيز تأشير الكالسيوم.

دفعت التبدلات التي حدثت الباحثين إلى الاستنتاج أن «التلاعب في تأشير الكالسيوم على الأرض {يشكّل} فرصة علاجية مبتكرة لإصلاح القلب القائم على الخلايا».

ما تأثير هذه الاكتشافات في إصلاح القلب؟

كما يذكر الباحثون، يُجري العلماء اليوم تجارب سريرية لا تزال في مراحلها الأولى تستخدم خلايا القلب الجذعية لعلاج مَن يعانون داء القلب الإقفاري أو لمساعدة المرضى على التعافي من نوبة قلبية.

صحيح أن نتائج هذه التجارب واعدة، غير أن زراعة الخلايا تُخفق أحياناً. وما زال العلماء يتجادلون بشأن أي نوع من الخلايا يُعتبر الأفضل لزرعه.

لذلك يكتب معدو الدراسة: «قد يسهم تطبيق اكتشافات تجارب انعدام الجاذبية على التجارب التي تُجرى على الأرض في تخطي نواقص التجارب السريرية الراهنة التي تشمل استخدام خلايا سلفية قلبية لإصلاح القلب».

أخيراً، يستخلص بايو وزملاؤه: «يُبرز التلاعب في بيئة الجاذبية الطبيعية [للخلايا السلفية القلبية} المبكرة أهمية الآليات التي تُستخدم في تطوير هذه الخلايا السلفية القلبية المبكرة وتوسيعها. ومن الممكن تطبيق هذه الاكتشافات الجديدة لتعزيز فهمنا للتنمية القلبية الوعائية وتحسين نتائج العلاجات المجدِّدة التي ترتكز على الخلايا الجذعية».