يقدّم والتر راسل ميد تقييماً نموذجياً فارغاً لمجزرة المتظاهرين الفلسطينيين التي وقعت الأسبوع الماضي: رُميت الحجارة، وأُشعلت الإطارات، وأُطلق الرصاص، وعندما انقشع الدخان، كانت الحدود لا تزال قائمةً في حين لقي 15 فلسطينياً حتفهم مع وفاة ثلاثة آخرين لاحقاً متأثرين بإصاباتهم، في حين كانت العائلات تواجه مآسيها الخاصة، شهدنا المسائل المثيرة للجدل عينها، فقد ندد الأشخاص المعتادون بإسرائيل، متبعين أساليبهم المألوفة، فيما تصدى لهم المدافعون الذين طرحوا الحجج المعهودة.

قد يكون طرح ميد الباهت هذا مملاً، إلا أن رد فعله اللامبالي تجاه عملية إطلاق نار غير مشروعة استهدفت متظاهرين غير مسلحين مقزز فعلاً، فاستعمال القوة المميتة ضد أشخاص عزّل جريمة، وأصدرت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" (هيومن رايتس ووتش) تقريراً عن عملية إطلاق النار هذه استخلصت فيه أن هذه الجريمة جاءت عن سبق إصرار وتصميم:

Ad

قبل المواجهات وبعدها أعلن مسؤولون بارزون أن الجنود المتمركزين على طول الحاجز الفاصل بين غزة وإسرائيل أُمروا باستهداف "المحرضين" وكل مَن يقترب من الحدود، لكن الحكومة الإسرائيلية لم تقدّم أي أدلة على أن رمي الحجارة أو أي أعمال عنف أخرى قام بها بعض المتظاهرين شكّلا خطراً حقيقياً هدد الجنود الإسرائيليين عبر السياج الحدودي. فقد مثّل عدد الوفيات والإصابات الكبير عاقبة متوقعة لمنح الجنود حرية اللجوء إلى القوة المميتة خارج إطار الأوضاع المهدِّدة للحياة في انتهاك واضح للأعراف الدولية، فضلاً عن تاريخ طويل من تفلُّت الجيش الإسرائيلي من العقاب رغم انتهاكاته الخطيرة.

يذكر إريك غولدستين، نائب مدير قسم الشرق الأوسط في منظمة "مراقبة حقوق الإنسان": "ما كان الجنود الإسرائيليون يستخدمون القوة المفرطة فحسب، بل عملوا أيضاً وفق أوامر ضمنت إلى حد كبير التصدي للتظاهرات الفلسطينية برد عسكري دموي، فكانت النتيجة وقوع عدد من الوفيات والإصابات المتوقعة بين متظاهرين في الجانب الآخر من الحدود لم يشكّلوا أي خطر محدق يهدد الحياة".

"الأشخاص المعتادون"، على حد تعبير ميد، الذين نددوا بعملية إطلاق نار غير مشروعة قتلت 18 شخصاً وجرحت أكثر من 700 آخرين، ناشطون مدافعون عن حقوق الإنسان وصفوا سلوك القوات الحكومية الإجرامي، أما "المدافعون المعتادون" فهم مَن يزعمون أن إطلاق النار على متظاهرين عزّل يُعتبر بطريقة ما رداً ملائماً، ولا شك أن هذه كلها "مسألة عادية" بالنسبة إلى المحللين الأكثر إفلاساً أخلاقياً.

لو كانت القوات التي أطلقت النار على المتظاهرين تابعة لأي حكومة أخرى غير حليفة للولايات المتحدة، لما تجاهل السياسيون والمحللون الأميركيون على الأرجح الأدلة التي تبرهن ارتكاب مجزرة ضد أشخاص عزّل، كنا سنسمع مطالبات بفتح تحقيق، وفرض عقوبات، وربما أكثر من ذلك. ولكن بدلاً من ذلك ساهمت الولايات المتحدة في تعطيل أي تحقيق دولي وقدّمت كالمعتاد غطاء دبلوماسياً للحكومة المسؤولة.

* دانيال لاريسون

* «أميركان كونسيرفاتيف»