أتواصل وعدد غيري طوال السنة، إما هاتفياً وإما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع أخ كبير وصديق عزيز يعيش هجرة اختيارية بين لندن والمغرب، هذا بخلاف قراءة مقالاته الصحافية في "الجريدة" كل سبت، ومن قبل ذلك في "الشرق الأوسط"، وسواها من الصحف والمجلات العربية، أو عبر لقاءاته التلفزيونية الشائقة هنا وهناك، والتي لا يقل عدد مشاهداتها في الـ "يوتيوب" عن ربع المليون في كل مرة.

إنسان كالدكتور نجم عبدالكريم اجتمع لديه من الصفات والمواهب والقدرات والثقافة الواسعة والمترامية الأطراف، ما لم يجتمع في الغالب لأحد سواه، فهو من المثقفين الموسوعيين، وتختص شخصيته بتمازج فريد بين عمق الثقافة والظُرف البليغ ومواهب لا حصر لها، وسرعة في الدمعة كمثل سرعته في النكتة، خاصة كلما لاحت لذاكرته أحداث الطفولة والصبا بحلوها ومرها، وذكريات سكيك وبرايح شرق القديمة، وكلما طافت به وجوه أبناء فريج الصوابر الذين قضى معهم فيه سنوات عمره الأولى.

Ad

هو جامعة في فرد، لا يمكن أن تلتقيه وتخالطه وتستمع إليه أو تشاهده إلا ويضيف لك معلومة جديدة وفكراً مختلفاً، وينفعك بأمور خفيت عنك في التاريخ والفلسفة واللغة والدين والفن والموسيقى، وينتزع منك الضحكة في عز تجهمك، وحين يتحدث تشع على سامعيه طاقة إيجابية أخّاذة تود ألا يتوقف ضخها إلى عقلك وروحك ونفسك المجهدة بالهموم.

د. نجم عبدالكريم، فارس تعددت مواهبه وقدراته، وتراكمت عبر حياة امتلأت بالشقاء والعَرق والدموع في مقابل تجارب ثقافية وأكاديمية وسياسية وإعلامية واسعة.

لا يأنف من ذكر عمله حمّالاً في سوق الخضرة القديم في الديرة ليكسب قوت يومه صبياً صغيراً، أو بنّاء في ثانوية الشويخ والكلية الصناعية، أو عامل بدالة، أو مراسلاً في وزارة، كما أنه الإنسان الذي عركته وحشة اليتم ودموع ضيق الحال وعذاب الطفولة البائسة، وشد من صلب رجولته تحصيله العلمي المتواصل، وغدا نجم فِعلياً ذائع الصيت، متسلحاً بالعلم وشهادتي الماجستير والدكتوراه والثقافة العميقة والموهبة.

أصبح الرجل مرجعاً للباحثين عن المعرفة من أمراء وشيوخ وعموم الناس المتعلقين بالشعر والأدب وأحداث التاريخ والمغرمين بالتعلم من فكر الفلاسفة وكبار المفكرين، وهو يمتلك ناصية التلخيص والإيضاح بقدرات السهل الممتنع التي يصعب أن تجدها عند أحد غيره.

كل عشر سنوات يخصص "أبو أمجد" لأهله وأصدقائه ومحبيه أسبوعين أو ثلاثة ليلتقيهم في وطنه الذي هاجر عنه طواعية لما يقرب من الأربعين عاماً، سعياً وراء استزادة من العلم والثقافة وإثراء معرفته، وبحثاً عن فرص أوسع للرزق بعد التقاعد، لا كما يشيع ويظن البعض به ظن السوء بابتعاده قسرياً لسبب سياسي أو اجتماعي، والذي ليس فيه من الحقيقة شيء على الإطلاق، حيث كان في الستينيات، وفي وقت الشدة أيام الغزو العراقي البغيضة، كتيبة إعلامية مصفحة للدفاع عن الكويت أمام أزلام عبدالكريم قاسم وصدام حسين، ولا ننسى هجوم شبيحته عليه في الـ "هايد بارك"، وهو يلقي إحدى خطبه النارية ضد الاحتلال في أغسطس ١٩٩٠، كما لا يغيب عنّا صوته اليومي في إذاعة "سبيكتروم" في لندن، صادحاً بالحق الكويتي، ومطالباً بزوال الاحتلال وعودة الشرعية.

د. نجم الرائع، حياك الله بين أهلك ومحبيك، ولا تحرمنا من "سبتياتك" الغزيرة في "الجريدة"، ولا إطلالاتك العذبة علينا بين حين وآخر.