حسن الاستماع والإصغاء الحقيقييّن أصبحا عملة نادرة في زمن الأنانية والتشتت، فغالبنا ينتظر أن ينهي الآخر حديثه فحسب كي يحين دورنا نحن! فيتحول الحوار بذلك من تواصل بين شخصين إلى "مونولوج" ضعيف لا يحقق أي نوع من الإشباع، بل أحياناً قد لا يسع صبر البعض منا الانتظار، فيندفع مقاطعاً الآخرين، معتقداً أنه الطرف الأكثر معرفةً (!) على الرغم من أن سلوكه يعطي مؤشرات أخرى تنم عن ضعف في الوعي ومهارات التواصل مع الآخرين.

الاستماع فن، هو حضور كامل تهبه إلى محدثك، وهذا الاهتمام قد يكون من أفضل الهبات التي تقدمها لمن حولك من أحباب وأصدقاء، وهو جسر لإدراك أولئك الذين تختلف معهم. أصغِ باهتمام صادق وتفهم دون إطلاق الأحكام والنصائح الثقيلة، إن انتبهت قليلاً فستجد أن أغلب من حولك بحاجة إلى هذا النوع من الاحتواء. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاستماع وسيلتك لفهم الآخرين بصورة أعمق، لذا فهي صفقة رابحة للطرفين.

Ad

كن محل ثقةٍ وملاذاً آمناً ومريحاً لا يطالب الآخرين بمعلومات هم ليسوا مستعدين أن يشاركوها أحداً بعد، فلا شيء أكثر إزعاجاً من التطفل! هيئ نفسك لاستماع غيرك عن طريق الاستكانة والهدوء، وأعطِ من حولك الحرية والمجال لأن يكونوا كما هم دون تكلّف، وهم بدورهم سيبادلونك بالصدق والوصال. أصغِ لمن حولك والأهم من ذلك استمع إلى حديث نفسك... ما المواضيع التي تتحدث عنها بشكل مستمر؟ تلك المواضيع ما هي إلا مرآة لدوافعك الكامنة ورغباتك الدفينة التي قد تكون مخفية حتى عن نفسك، وكذلك يمكنك فهم الآخرين بصورة أعمق ما إن تنصت إلى مواضيعهم المتكررة واختيارهم المميز لكلماتٍ محددة، فوراء تلك الكلمات والأحاديث ترقد المقاصد والغايات.

اختصر في قولك، فإن أغلب الناس لا صبر لها على طويل الحوار وعميقه، تعلم الإيجاز في الحديث دون ضياع المعنى، واحتفظ بالإسهاب لقلة من المقربين منك. انتبه عندما يتململ مستمعك من طول حديثك، وبادر بإنهاء كلامك على الفور.

تخلّ عن الأنا، فتتجلى البصيرة، وتواضع قليلاً فستجد أنك قد تتعلم الكثير ممن توهم نفسك أنهم دونك.

"تكلموا تُعرفوا، فإن المرء مخبوء تحت لسانه". (علي بن أبي طالب).