عشية رحلة بالغة الأهمية إلى آسيا في شهر نوفمبر 2017، سألت مذيعة شبكة "فوكس نيوز" ترامب عما إذا كانت وزارة الخارجية ستعرقل أجندته الأميركية الأولى، بقولها: هل تحتاج إلى عدد أكبر ممن يعينهم ترامب لتمضي قدماً في رؤيتك؟ كانت تشير إلى العدد الكبير من المناصب السياسية التي ظلت آنذاك (ولا تزال) شاغرة في مركز ووكالات دبلوماسية أميركية حول العالم، فعكس سؤالها هذا تذمرات جمهورية تقليدية، وخصوصاً أن وزارة الخارجية باتت أشبه ببيت حمام يكثر فيه الهديل الخافت ومَن لا يكفون عن الاعتذار للخارج، فقدّم لها ترامب جواباً غير تقليدي، مشيراً إلى أن لا داعي لملء الكثير من هذه المناصبة الشاغرة، وأضاف: "أنا الوحيد المهم لأن سياستي هي التي ستُطبق في الشؤون الخارجية".

عنى ترامب ما قاله، كما اتضح في 13 مارس عندما أقال علانية وزير خارجيته ريكس تيلرسون في تغريدة، أما كبير دبلوماسييه الجديد مايك بومبيو، فهو حزبي متشدد وعضو سابق في الكونغرس صار خلال السنة الماضية التي أمضاها في رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أحد مساعدي ترامب المفضلين والمدافعين عنه الأكثر ولاء.

Ad

يستعد الدبلوماسيون الأجانب أيضاً لاحتمال إقالة مستشار الأمن القومي الجنرال هربرت ماكماستر، نظراً للنفور الذي يشوب علاقته بترامب، كذلك لن يفاجؤوا إذا شملت عملية الإقالات هذه كبير موظفي البيت الأبيض جون كيلي، ذلك الجنرال السابق بأربع نجوم الذي حاول فرض النظام في عالم ترامب، فأثار استياء رئيسه، لكن الأكثر تعقلاً في البيت الأبيض يشددون على أن جون بولتون، أحد صقور الحرب الأكثر تشدداً، لا يستعد لشغل منصب مستشارة الأمن القومي، رغم التقارير التي تشير إلى أنه أجرى مقابلة لهذا المنصب، ويذكر مصدر لا يبدو سعيداً بخطوة مماثلة: "أصدق ذلك عندما لا أراه".

ولكن يجب أن يخشى العالم تحرُّر ترامب من كل الضوابط، فتبدو أجندة ترامب الفعلية أقرب إلى قصة عن الولايات المتحدة مستوحاة من معتقداته الأكثر عمقاً منه إلى مجموعة من السياسات والمواقف العقائدية المستمدة من اليمين واليسار، إنها قصة شعبوية عن الخيانة، فعندما تتحدث إلى أشخاص من الأوساط المقربة من ترامب وتصغي إلى خطابات الرئيس، تنكشف أمامك رواية تظلّم قوية. تعتبر هذه الرواية أن الولايات المتحدة خرجت من الحرب العالمية الثانية كقوة عظمى لا منافس لها، فصاغت بتجرّد نظاماً يقوم على القواعد سمح لدول أخرى بالبروز، ومولته، ودافعت عنه، ولكن بمرور الوقت، استغل هؤلاء الآخرون كرم راعيهم بمساعدة نخبة أميركية ضعيفة وخرقاء. أغضب هذا الذل ترامب منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولهذا اليوم تحمل شكاواه طابعا قديماً، فيتحدث شهود عيان عن خطب مسهبة عنيفة في البيت الأبيض لا تنفك تعود إلى تهديد السيارات الألمانية أو الفولاذ الياباني.

يتوق ترامب إلى إعادة كتابة هذه القصة في حين لا تزال الفرصة سانحة والولايات المتحدة قادرة على رد اللكمات، فترامب يهوى الرسوم الجمركية، ويرغب في فرض رسوم كبيرة على الصين منذ زمن، رسوم تفوق بأشواط التعرفات التي فرضها أخيراً على الفولاذ والألمنيوم. ولا شك أن استقالة غاري كون، كبير مستشاريه الاقتصاديين وأحد مؤيدي التجارة الحرة التقليديين، أزال المكابح عن غرائز ترامب.

تقاعد عدد كبير من المبعوثين المخضرمين أو استقالوا، فعلى سبيل المثال استقال جون فيلي في التاسع من مارس من منصبه كسفير إلى بنما، ولم يعتد فيلي الاستسلام والقلق بسرعة، فقد كان سابقاً طياراً يقود مروحية في سلاح البحرية، وأشرف على عمليات اعتقال كبار تجار المخدرات حين كان نائب رئيس مهمة في المكسيك، ويتمنى فيلي كل التوفيق لبومبيو، إلا أنه يعبّر عن مخاوفه قائلاً: "تكمن المشكلة الكبرى في أن الرئيس يعتقد أنه يستطيع صوغ سياسة خارجية تقوم على رجل واحد وتطبيقها".

استقال فيلي احتجاجاً على ما دعاه تشويه ترامب قيماً أميركية تشكّل أسس النظام الذي يقوم على قواعد، مثل الديمقراطية والتجارة الحرة، ولا شك أن الولايات المتحدة ستواجه صعوبة كبيرة في استبدال مبعوثين مماثلين، وترامب ربما لا يأبه بذلك، ولكن على الآخرين أن يكترثوا.