تناولت في مقالي الأحد والثلاثاء 11 و13 مارس تحت العنوان ذاته وفي هذا الموضوع تفسيراً لنصوص المواد (34) و(75) و(163) و(163) والتي يتوافق تفسيرها مع الرأي الذي نقول به، وكان لزاما عليَّ أن أفرد هذا المقال لتناول الرأي الذي يقول به جانب من الفقه والذي يفرق بين العفو عن العقوبة والعفو الشامل عن الجريمة، فيرى في العفو عن العقوبة وجوب صدور حكم نهائي باتّ بالعقوبة، ولا يرى ذلك في العفو الشامل عن الجريمة، لأنه لا يتصور في رأيهم العفو عن عقوبة لم يصدر بها حكم.

(د. سمير الشناوي- النظرية العامة للجريمة والعقوبة- الكتاب الثاني المسؤولية الجنائية والعقاب- ط1988 ص316- 331)

Ad

والبادئ لنا أن هذا الفقه يقيم رأيه في هذه التفرقة غير المقبولة بين العفو عن العقوبة والعفو الشامل عن الجريمة على سند من قانون الإجراءات الجزائية رقم 17 لسنة 1960 المعمول به عند صدور الدستور، حيث كان هذا القانون يقيم هذه التفرقة، فيما تنص عليه المادة 239 منه من أنه "للأمير، بعد صدور حكم بالعقوبة ضد شخص معين، وقبل تنفيذ هذا الحكم أو أثناء التنفيذ، أن يصدر أمراً بالعفو عن العقوبة المحكوم بها أو تخفيضها أو إبدالها بعقوبة أخف منها".

على عكس العفو الشامل عن الجرائم، فقد كانت المادة (238) من هذا القانون تنص على أن "للأمير في أي وقت أن يصدر عفوا شاملا عن جريمة أو جرائم معينة...".

وهي تفرقة أصبح القول بها يتعارض وما نص عليه الدستور في المادة (75) من أحكام حول:

1- السلطة المختصة بالعفو الشامل عن الجريمة، وقد عهد بها الدستور إلى السلطة التشريعية، ولم تعد من صلاحيات رئيس الدولة.

2- صدور العفو الشامل من رئيس الدولة في أي وقت يشاء، وقد قيدت المادة (75) من الدستور صدوره بأن يكون "عن الجرائم المقترفة قبل اقتراح العفو".

إذ تصبح السلطة التشريعية بموجب هذا النص مقيدة بقيدين هما:

1- أن تكون الجريمة قد اقترفت بالفعل: وهي لا تعد كذلك قبل ثبوت اقترافها بحكم نهائي باتّ.

2- وأن يكون قد ثبت ذلك قبل تقديم اقتراح العفو سواء قدم من الحكومة أو من الأعضاء.

ذلك أن اشتراط ثبوت اقتراف الجريمة بحكم نهائي باتّ قبل تقديم الاقتراح بالعفو، غايته حماية العدالة من أن يتخذ الاقتراح بقانون بالعفو الشامل وسيلة للتدخل في سير العدالة بالمخالفة للمادة (115) من الدستور التي تقضي بأنه لا يجوز لعضو مجلس الأمة أن يتدخل في عمل من أعمال السلطة القضائية، فضلا عن الحظر المنصوص عليه في المادة (163) من الدستور، والتي تنص على أنه "لا يجوز بحال التدخل في سير العدالة"، بل أصبح تطبيق هذه التفرقة يتعارض وافتراض البراءة والمحاكمة المنصفة العادلة التي يجب أن تتاح للمتهم في كل درجات التقاضي، وهو ما تناولناه في المقالين السابقين، ونؤكده في هذا المقال.

وقد نصت المادة (180) من الدستور على سريان القوانين المعمول بها عند العمل بالدستور بشرط ألا تتعارض مع نصوصه، وهو التعارض الذي بيناه في المقالات الثلاثة.

الموروث التاريخي

والواقع أن قانون الإجراءات الجزائية رقم 17 لسنة 1960 وقانون العقوبات المصري رقم (58) لسنة 1937 فيما نص عليه الأخير في المادة (76) من أن العفو الشامل يوقف السير في إجراءات الدعوى، وغيرها من نصوص مطابقة أو مشابهة في التشريعات المقارنة الأخرى، وأن هذه النصوص هي موروث تاريخي لحق العفو في نشأته الأولى، حيث كان الملك هو المصدر الأول للعدل والعدالة، وهو الذي يمنح المحاكم سلطاتها في محاكمة الرعية عن الجرائم التي يقترفونها، ومن هنا كان استخدام الملوك لسلطة العفو استرداداً لحق أصيل للملك قد منحه للمحاكم.

حيث يقول د. سمير الشناوي في هذا السياق إن القوانين القديمة درجت على تخويل الملك سلطة العفو عن العقوبة المحكوم بها، وقد توارث الملوك هذه السلطة عبر عصور التاريخ حتى انتقلت إلى رؤساء الدول في عصرنا الحالي، فأقرتها القوانين الحديثة بوصفها عملا من أعمال السيادة.

ولم يكن القضاء يتمتع بالاستقلال الذي يتمتع به الآن في أغلب دول العالم، وفي أغلب دساتيره المعاصرة، ولم يكن مبدأ شرعية التجريم والعقاب قد رسخ في ضمير الإنسانية، ولم تكن ضمانات التحقيق والدفاع ومقومات المحاكمة المنصفة العادلة قد توسدت الضمير الإنساني، بل كانت اعترافات المتهمين تنتزع قسراً بوسائل تعذيب فوق طاقة البشر، وكان التعصب الديني سيفاً مصلتاً على رقاب أصحاب الرأي والعلماء لاتهامهم بالهرطقة، وكانت محاكم التفتيش في أوروبا تحكم بعقوبات شديدة القسوة والغلظة يرفضها المجتمع الإنساني الآن.

وجدير بالذكر أن حق العفو الخاص الذي كان يمنحه الملك في فرنسا لم يكن حقا مطلقا، بل كان خاضعاً لرقابة قضائية، حيث كانت طلبات العفو تعرض على قضاة البرلمان في ظل النظام القديم.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.