لن يفلح أولئك المصدقون بأن الحب ليس "سعلوّا" أنجبته أوراق الكتب الصفراء، أو أسطورة نسجتها أصابع الخيال وسوَّقتها الخرافة، هؤلاء المصابون بهوس المشاعر الخضراء، والكلمات المفخخة بالجمر المشتهى، والرسم بالألوان في كراسة الماء، وإذابة الوقت قطعا من السكّر في كؤوس الحب الخزفية، ليس فقط لجعل طعم مشروبها حلواً، لكن لجعلها غير قابلة للكسر مع الزمن!

لن يفلح هؤلاء المبشرون بجنات عدنٍ تغمر قلوبنا حين نسلّمها لهذا البستاني المتجول والموصوف بالأعمى، ولن تُقنع الكافرين به آيات الحب التي تتلى عليهم ليدخلوا بيته آمنين، ولن تغيّر قناعاتهم محاولة تعظيم ما يفوتهم من غنائم، إن هم لم يشاركوا في معارك الحب، فكثير من كفار الحب لا يرون قيمة لهذه الغنائم منذ البدء، وأنها ليست سوى خردة رخيصة لصناعة الوهم، فمرايا الواقع لا تعكس شيئاً مما يوعدون، فأبواب الحب أينما يمّمت أبصارهم تُفتح على خراب قلوب بعضها ما زالت قطع النار وألسنة الدخان تزيّن صورة دمارها، أو كأنما هي شاهد عيان حي يرفض أن يموت على بحيرة الوجع، جراح مرمية على قارعة الهجر، انتظار شابت جدائله على شرفات النوافذ، خديعة تنمّي أظافرها تحت منديل الندى، آهات فات أوان قطافها ما زالت معلقة على أغصان الأغاني، سهر ينتهي بقضم نجمة لها طعم تفاحة إبليس وأثرها، ابتزاز سافر للعواطف، وقيود تدمي الخواطر، لأنها أدمنت رائحة الدم، ومصالح تُخبأ في حرير الأصابع، صور للحب تجعل الصور الملصقة له في المعابد كاذبة ومزيفة وليس لها من واقع الأمر شيئا، إنها كالصور المتخيلة لملامح الآلهة التي قرأنا معجزات لهم في الأساطير. كل الصور التي يبشّر بها المؤمنون بالحب والصور التي يعرضها الكافرون به ليست هي الحب، كل الصور المتبادلة عن الحب ليست سوى أمثلة ورسوم توضيحية من وحي التصور، فالحب لا صورة له، ليست له أي بيانات شخصية ولا بصمة أصابع في الدوائر الرسمية، إنه كالعدل، كالصدق، كالطيبة، كالعمل الصالح، نعايش كثيراً من التجارب الواقعية في الحياة اليومية التي تجعل فكرة الإيمان بوجود أيّا من هذه المسميات ضربا من السذاجة، وتجارب أخرى نراها رؤية العين لمن آمن بها وذهب ضحية إيمانه، إلا أن ذلك لا يجعل من التصديق بوجودها اختيارا، لأننا سندفع ثمن الضرب بها عرض الحائط، نلتزم بالأمانة لخوفنا من عقوبة القانون، مع علمنا علم اليقين بحكايات وقصص لمكافآت عظمى منحتها الحياة لمن علّقوا أماناتهم في حقيبة ساعي بريد الريح، ونصْدق رغم أننا اكتشفنا أن الصدق ليس منجاة من النار كما علّمونا في الصغر. إن هذه القيم احتياج حياة وليست اختيارات حياة، نحتاج إلى أن نؤمن بوجودها، خوفا على وجودنا من عدم وجودها، وإنكار وجودها يناقض خضوعنا لسلطتها في حياتنا الواقعية. كذلك الحب لن يلغي وجوده صور مزوّرة له، فكل الصور التي ندّعيها هي صور ما نفعله نحن بالحب أقرب منها لما يفعله الحب بنا، إنها مجرد "سيلفي" لنا مع ما نظنه الحب!
Ad