"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتُهم أحرارا". عبارة قالها ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في دفاعه عن مظلوم قبل نحو ثلاثة عشر قرنا فذهبت مثلا يستشهد به، أما غاندي فقال: "أنت لا تستطيع مصافحة يد مقيدة"، في حين مارتن لوثر كينغ قال: "إن الحرية لا تمنح طوعا، بل تُنتزع من الظالمين".

وما من مبالغة في القول إنه ما من شعب يعاني غياب الحرية مثل الشعب الفلسطيني، فما الحرية التي نناضل من أجلها، والتي دفع عشرات الآلاف حياتهم ثمنا للحصول عليها، وقدم مئات الآلاف سنوات عمرهم في الأسر لنيلها؟ هل هي حق الشعوب في تقرير مصيرها دون إكراه؟ أم هي تحرر الشعب من قيود الاحتلال واضطهاده؟ أم هي حرية اللاجئين في ممارسة حقهم في العودة إلى ديارهم التي هجروا منها؟ أم هي حرية التنقل في وطننا من مكان لآخر دون الخضوع لحواجز التفتيش، وقيود الجدار، أو المنع من دخول مناطق شاسعة يحتلها المستوطنون المستعمرون؟

Ad

أم هي حرية الطالب في الذهاب إلى أي جامعة يريد، وحرية المريض في تلقي العلاج واختيار مكان علاجه؟ أم هي حرية أهل غزة في الدخول والخروج إلى باقي مناطق فلسطين أو إلى أي مكان يريدون السفر إليه؟ أليست هي حرية العبادة التي يحرم منها معظم الشعب الفلسطيني؟ أم هي حقنا في الوصول إلى القدس المحاصرة؟ أم هي حق العامل في أن يتحرر مما تتعرض له كرامته من إهانات على الحواجز، وفي مكان العمل، وفي معيشته؟ أم أنها الحق في حرية التعبير والأقوال والأفعال سواء توافقت أم اختلفت مع الحكام وأصحاب السلطة؟

أم هي حق كل فتى وفتاة في الحصول على التعليم المناسب، وفرص العمل التي تناسب كفاءاتهم دونما حاجة للجوء للواسطة أو المحسوبية؟ أم هي الحق في اختيار الرأي والاتجاه السياسي دونما خوف أو قلق؟ أم أنها حق الناس في انتخاب من يمثلونهم ومن يحكمونهم دوريا ودون تأجيل أو تأخير؟ أم هي الحق في أن يعيش الإنسان بكرامة، وأن يتعلم بكرامة، وأن يعامل بكرامة؟

إنها كل ذلك وأكثر، ولعلها المفتاح والمدخل الحقيقي للإبداع الخلاق والقدرة على العطاء والمشاركة، وهي السبيل لتحقيق السعادة الإنسانية التي يحلم الناس بها، غير أنه كما قال مارتن لوثر كينغ "إن الحرية لا تمنح طوعا بل تنتزع انتزاعا من الظالمين"، وما من شعب حقق حريته دون أن يناضل من أجلها.

وإذا كانت العبودية هي أسوأ أشكال الحرمان من الحرية، فإن أشد أنواع العبودية ذلاً، هو عدم إدراك المستعبَد لعبوديته، وعدم معرفته بمعنى الحرية وطعمها، وبالتالي عدم قدرته على الكفاح من أجلها، ولا يوجد أسوأ من الظالمين والمستعْبِدين إلا أولئك الذين يمتهنون، من أجل مصالحهم، تبرير الاستعباد والاضطهاد والقمع، ويدعون للتعايش معه، وكما قال أحد الكتاب فإن "هناك من يناضلون من أجل الحرية، وهناك من يطالبون بتحسين شروط العبودية"، وينطبق ذلك على من يحاولون الترويج لمشاريع تصفية الحقوق الفلسطينية.

صحيح أن معارك بعض الشعوب كانت أسهل من غيرها، ولكن ذلك لا يغير حقيقة أنها جميعها ناضلت من أجل حريتها، وليس مصادفة أن أشد المتضامنين مع الفلسطينيين هي الشعوب التي قاست أكثر من غيرها في النضال من أجل الحرية، بعضها ناضل للتحرر من الاستعمار، وبعضها ناضل للتحرر من الاحتلال، وبعضها ناضل للتحرر من العبودية، وبعضها ناضل للتحرر من التمييز والاضطهاد العنصري، وكثير منها ما زال يناضل للتحرر من الفقر والعوز والتخلف التنموي واستغلال الدول الأخرى لثرواتها.

ولذلك صدق قول نيلسون مانديلا عندما قال "الحرية لا يمكن أن تعطى على جرعات فإما أن يكون الإنسان حراً أو لا يكون حراً".

في كل عقد، وفي كل عصر، تبرز قضية شعب مناضل من أجل حريته لتتصدر المشهد، فتصبح قضية الضمير العالمي، فكفاح شعب الجزائر ضد الاستعمار احتل ذلك الموقع في الخمسينيات، وفي السبعينيات كانت فيتنام بنضالها ضد العدوان محط أنظار العالم، وفي الثمانينيات جذب نضال الشعب الأيرلندي تعاطف العالم، كما احتل نضال شعب جنوب إفريقيا ضد الأبارتهايد موقع الصدارة.

وسواء أرادت إسرائيل أم لم ترد، وسواء أحب ترامب ذلك أم لم يحب، فإن قضية الشعب الفلسطيني هي اليوم قضية الحرية الأولى في العالم، وما من قول أبلغ مما قاله نيلسون مانديلا يوم تحررت جنوب إفريقيا "إن حريتنا لن تكتمل بدون حرية الفلسطينيين"، وما أكده "بأن قضية فلسطين هي قضية الضمير الإنساني الأعظم في عصرنا".

* الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية