الدعوة لطلب العلم "ولو في الصين" لم تكن لأننا كنا نعرف علوم الصين، ولكنها كانت ترمز إلى بُعد المسافة بيننا وبين ذلك البلد، لتحفيز سامعيها كي يُقبلوا على تحمل مشقة طلب العلم.

وها هي الصين جاءت إلينا لتتوغل في معظم مفردات حياتنا الاستهلاكية، لكن الجانب الأدبي من حياتها ظلت أبوابه مغلقة، إلا على القليل من المختصين!

Ad

***

• وأهم الكتب التراثية التي تفخر بها الصين كتاب "YI CHING"، الذي يعتبر من أمهات الكتب، إذ يحتوي فصولاً من التغييرات في التاريخ والأناشيد والطقوس وحوليات الربيع والخريف.

• وهذا الكتاب ينزله الصينيون منزلة التقديس، ويُنسب إلى الحكيم FU HSI الذي ألفه عام 3322 قبل الميلاد، والكتاب يعتبر سجلاً للعَرافة والكهانة، ولكنه أصبح عماداً للفكر الصيني في السياسة والفلسفة والأدب والأخلاقيات والاجتماع والقانون والطب، مع مرور الزمن. كان هذا الكتاب المصدر الذي تتداوله مختلف المدارس في مختلف العصور، وتستعين به بطريقة أو بأخرى... بل ما برح كتاب "التغييرات" مؤثراً حتى يومنا هذا.

***

• قوام كتاب "التغييرات" أن ظواهر الكون بأسره تتألف في جوهرها من عاملين (إيجابي وسلبي)، وقد حصر المؤلف هذه الظواهر في 8 خطوط، ومنها متوالية ثلاثية ترمز إلى ظاهرة كونية سلبية وأخرى إيجابية، فالظاهرة الإيجابية يطلق عليها اسم "اليانغ"، وتعني "الشمس"، والظاهرة السلبية يطلق عليها اسم "الين"، وتعني "القمر"، ويتم الاستخلاص من جميع المتواليات الثماني الأساسية لتدل على السماء، الرعد، الرياح، النار، الماء، الجبال، والمستنقعات، وكل ما له علاقة بالطبيعة، ثم يقوم بانعكاس كل واحدة من تلك المتواليات الثماني، وما يتفرع منها، على سلوك الإنسان.

***

• وقد فسر الفيلسوف الصيني تونغ شونغ، تأثير "اليانغ" و"الين"، فقال: "يوجد اليانغ والين في نطاق الكون في حالة أثيرية، ينغمر جميع الناس فيهما على الدوام، مثلما ينغمر السمك في الماء على الدوام، والفارق بينهما وبين الماء أن جَيَشان الماء منظور، في حين أن فوران الين واليانغ غير منظور، على أن ارتباط وجود الإنسان بالكون مثل ارتباط السمك بالماء... ويوجد هذا الين واليانغ في كل مكان".

• وإذا كانت الكنفوشيوسية قد اتجهت في بداية عهدها إلى بحث مشكلات الإنسان، ولم تُعر الموضوعات الميتافيزيقية ما تستحقه من اهتمام، فإن مدرسة اليانغ والين، إلى جانب المدرسة "التاوية" قد أعطت هذا الموضوع اهتماماً بالغاً.

• وهناك من حلل تأثير اليانغ والين على سياسة ماوتسي تونغ في نهج القدرة الدائمة، التي تعني (فيما تعنيه) انبعاث الشيء من نقيضه، في سلسلة من التوالد والتكاثر، لا نهاية لها من التفاعلات.

***

• أعتذر لصديقي السنعوسي الذي كثيراً ما يقول لي: "يا نجم، خلّ عنك الفلسفة، واكتب أشياء بسيطة، ترى الناس ما قامت تقرا لك!".