ربما مرَّ ما يقارب الأربعين عاماً على معرفتي بقاسم حداد؛ صديقاً وشاعراً، ووحدها هذه المعرفة تجعلني أقول إن قاسم لا يتكلف جملته الشعرية كما هو في تعامله الحياتي؛ مباشر وسهل وعميق وجريء، وأحياناً مؤلم. لكن هذا القاسم هذا الحداد، كان مختلفاً وهو يكتب كلمات نعي جهة خاصرته (جهة الشعر)، فقد كتب يقول:

"الأصدقاء الأعزاء،

Ad

سوف يتوقف موقع "جهة الشعر" عن البث لأسباب تتعلق بعدم توافر الدعم المالي. ونود هنا أن نتوجه بالشكر لكل من وفر الدعم لها على مدى العشرين سنة السابقة، والاعتذار لأصدقاء "جهة الشعر"، الذين بمشاركتهم النشر في الموقع أسهموا فعلا في الإنجاز الذي تحقق طوال سنوات عمل الموقع منذ انطلاقه عام 1996".

عزيزي قاسم، هل أذكرك بما قاله الشاعر رياض الصالح الحسين في "مفارقات"، حين ردد قول بول فانسانسيني:

"أعدُّ الأيام على أصابعي / وعليها أعدّ أيضاً / أصحابي وأصدقائي / وفي يومٍ ما / لن أعدَّ على أصابعي

سوى أصابعي".

كان منطقياً أن تتوجه برسالتك إلى الأصدقاء، لكن أين هم أصدقاء الفكر والإبداع والثقافة والإخلاص؟

عزيزي قاسم، أنتَ وأنا على بُعد مرمى حجر من كثيرين يملكون المليارات، ولا أقول الملايين، لكنهم يصدون بوجوههم وبأموالهم عن الإبداع والثقافة!

يا قاسم يا حداد، لك أن تعلم أن نعي "جهة الشعر"، هو نعي لمشهد إبداعي ثقافي عربي آخذٌ بالتقهقر، وآخذ بالتقوقع على نفسه... جهة الشعرِ كانت جهةً لكل من أراد وصلاً بالكلمة المبدعة ووصلاً بالشعر، ووصلاً بالآخر على الضفة الأخرى. لكن، وأنتَ خير من يعرف ذلك؛ ما عاد هذه الوصل مطلوباً، ولا عاد مرغوباً فيه، في زمن استوحش الأخ على أخيه، وصار يقتله ويمثّل به!

أخي قاسم، ليس غريباً أن تغلق "جهة الشعر"، بل كان من المستغرب أن تبقى "جهة الشعر" تتنفس، وتبث عطراً لمن حولها، في زمن تحوَّلت فيه الكثير من المؤسسات الثقافية إلى مبانٍ خرسانية وموظفين، ولافتة عريضة تقول الاسم، ولا تتعدى ذلك!

منذ ما يزيد على العشرين عاماً، وجهة الشعر تنطق بالإبداع والثقافة بين مجموعة كبيرة من المبدعين، لا يجمعهم إلا ما أشرت به في بداية رسالتك المقتضبة والمؤلمة بأنهم أصدقاء. لكن يا قاسم، حتى هؤلاء الأصدقاء ما عادوا، وكما تعرف أنت، أصدقاء! فرَّقتهم الأنظمة، وفرَّقتهم الأحزاب، وفرَّقتهم المناصب،

وفرَّقتهم الجوائز، وأخيراً فرَّقهم الوجع، وما يشبه يأساً قائماً بيننا في كل المدن العربية المنكوبة.

عزيزي قاسم، قبل ما يزيد على الأربعين عاماً، يوم أصدرت ديوانك (خروج رأس الحسين من المدن الخائنة) 1972، قلت:

ينتشر الحبُ في كل مكان، ويسقط الحب / قتيلاً لحظة المجابهة نحاول معرفة الخيط / الأسود من الخيط الأبيض يختلط كل شيء / بكل شيء".

نعم يا صديقي، نبؤتك متحققة منذ لحظة نطقت بها: "يختلط كل شيء بكل شيء"، وإلا كيف يمكن أن يصل الأمر إلى عوز مادي يقف دون أن تستمر "جهة الشعر" بالتنفس والحياة؟! كيف تتوقف وهي التي غدت وصلاً بين الإبداع العربي وبين الآخر في كل جامعات ومعاهد العالم؟ وبعد أن صارت مرجعاً للإبداع العربي، وللثقافة العربية لدى الآخر، في زمن كل ما فيه يشوّه العربي إلا الإبداع، وحده غصن الزيتون المتبقي لنا في وجه العالم.

عزيزي قاسم، لن تستجدي أنت أحداً، ولم تكن في يوم كذلك. لكن نحن، أصدقاء الشعر، وأصدقاء الإبداع، وأصدقاء الثقافة، وأصدقاء السلام، أصدقاء الوصل مع الآخر عبر الكلمة المبدعة، سنصرخ بالكثيرين؛ نصرخ بالمسؤولين في دول مجلس التعاون الخليجي، نصرخ بأصحاب الأموال الطائلة، نصرخ بمحبي الفكر والإبداع والثقافة، وإن لم يكن، فيا صديقي، لنا نحن، أصدقاؤك أن نستصرخ أنفسنا، ويمد كلٌ منا يده لكَ كي نحمل معك "جهة الشعر"، إلى العالم أجمع.

عزيزي قاسم، هل قلت لك: صباح الخير والأمل!