أمضى وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس الأشهر القليلة الماضية وهو يطوف في دول العالم حاملاً معه نسخة من سيرة حياة أوليسيس غرانت الذي كان أعلى قائد عسكري خلال الحرب الأهلية الأميركية ورئيسه أبراهام لنكولن.

وبينما أيد غرانت علانية لنكولن التزم ماتيس الصمت ازاء رئيسه دونالد ترامب. وفي اجتماع عقد في السابع والعشرين من شهر يونيو 2017 أشاد كل الوزراء الذين حضروا ذلك الاجتماع بأداء ترامب ما عدا ماتيس. وعمد بدلاً من ذلك إلى السفر إلى مختلف دول العالم في محاولة لمنع الاندفاع نحو حرب في شبه الجزيرة الكورية والتي تصاعدت وتيرتها نتيجة تبادل الاتهامات بين ترامب ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ اون.

Ad

ويتمتع ماتيس بدعم كبير من البيت الأبيض لخطته الرامية إلى شن حرب استباقية على بيونغ يانغ كما أنه يدرس إمكانية نشر المزيد من الأسلحة السبرانية التي يمكن أن تفضي إلى ابطاء البرنامج النووي لكوريا الشمالية فيما يدفع بمزيد من القوة نحو أي حل دبلوماسي معها. وتشير التوقعات إلى أن مثل تلك الحرب قد تسفر عن مقتل ما يصل إلى ثلاثة ملايين شخص. ويتوق ماتيس إلى تفادي حدوث مثل هذا النزاع.

وخلال العام الماضي أفضت تحركات موسكو في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم وسعي بكين إلى بناء مدرجات على أي شريط من الأرض في بحر الصين الجنوبي إلى مزيد من التوتر كما أن تبادل التهم بين ترامب ورئيس كوريا الشمالية دفع ماتيس إلى التحدث بتعابير حذرة ومحسوبة ازاء بيونغ يانغ وكان يصر دائماً على تفادي التصعيد في التعامل الشخصي مع التطورات الميدانية. وعندما هدد ترامب بعملية «نار وغضب» ضد كوريا الشمالية في شهر أغسطس الماضي قال ماتيس إن « الكلام هو للرئيس في هذا الصدد «، كما أحجم عن الرد على تهديدات بيونغ يانغ مشيراً إلى وجود توقعات متواضعة لديه في هذا الصدد.

خطط الحرب

واستبعد وزيرالدفاع الأميركي وجود خطط محتملة لشن حرب مركزاً على الحاجة إلى حلول دبلوماسية كما حرص على تفادي فكرة وجود إمكانية لخلاف بينه وبين ترامب، وقال وزير الدفاع الأميركي السابق ليون بانيتا: «مهما كانت درجة جنون ترامب فإنه يثق بقدرة ماتيس على التقييم والحكم «.

وقد حاولت إدارة ترامب في هذه السنة خفض تمويل وزارة الخارجية بنسبة 30 في المئة فيما سعت في الوقت ذاته إلى زيادة انفاق البنتاغون وذلك في اشارة إلى تفضيل العمل العسكري على الدبلوماسي.

وكان ماتيس اضطر إلى حد ما إلى شغل المنصبين معاً وكان يجتمع في أغلب الأحيان مع وزراء الخارجية الأجانب ورؤساء الدول أيضاً من أجل تمثيل المصالح الأميركية. ويحاول ماتيس كذلك أن يظهر في تناغم مع وزير الخارجية ريكس تيلرسون مشيراً إلى أنهما يعملان على تنسيق تحركاتهما في أغلب الأحيان على الرغم من الاشاعات التي ترددت عن احتمال استقالة تيلرسون.

وفي كل اجتماع يعقده ماتيس يحاول طرح كيفية التعامل مع رئيس كوريا الشمالية. وتجدر الاشارة إلى أن كوريا الشمالية ليست أول عدو لأميركا يحصل على أسلحة نووية على الرغم من اعتراض واشنطن. كما أنها ليست الدولة النووية الوحيدة التي تثير قلق الولايات المتحدة. ولدى الاستخبارات الباكستانية علاقات مع ما يدعى بمجموعات ارهابية إضافة إلى أنها لم تحسن حماية مخزونها من الأسلحة النووية. ولكن بخلاف كوريا الشمالية فإن باكستان تتحاور مع الولايات المتحدة.

والشيء الذي يجعل الحالة الراهنة مختلفة بالنسبة إلى ماتيس هو أن الكوريتين والولايات المتحدة لا تزال في حالة حرب كما كان الحال في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي. وفي هذا الصدد يقول ماتيس: «لم تكن هناك معاهدة سلام بل هدنة فقط». ويشكل الافتقار إلى المعلومات الاستخبارية جزءا من الحالة التي تدفع إلى الحديث عن ضربة استباقية ضد كوريا الشمالية ويقول خبراء إن ذلك يمكن أن يفضي إلى حرب شاملة.

وحتى إذا عمل على تحاشي الأسلحة النووية واندلاع مزيد من الحرب التقليدية فإن عدد الاصابات والضحايا سوف يكون هائلاً. ويقول بانيتا الذي كان رئيساً لوكالة الاستخبارات الأميركية قبل أن يشغل منصب وزير الدفاع إن «الهجوم المحدود يحاول تجاهل المبدأ الأساسي القائل إن عواقب ذلك النوع من الهجوم لا يمكن التنبؤ بها على الإطلاق. وقد يفضي ذلك لا إلى فقدان الملايين من الأرواح فقط بل إلى مواجهة نووية أيضاً».

ويعلم وزير الدفاع الأميركي مضاعفات ذلك الوضع ولكن عمله يتطلب منه وضع خطة محتملة واطلاع الرئيس ترامب على العواقب.

ويوجد طبعاً حدود لما يستطيع أي وزير دفاع القيام به، ويقول تشك هاغل، وهو وزير دفاع أميركي أسبق إن «وزير الدفاع لا يرسم السياسة لأن تلك مهمة الرئيس والبيت الأبيض»، ومن شأن ذلك أن يجعل العلاقة بين ترامب وماتيس بالغة الأهمية. ويقول هاغل: «لدينا بيت أبيض يفتقر تماماً إلى الخبرة وقد طلب ترامب من الأميركيين في حملته الرئاسية انتخابه لأنه لا يعرف شيئا عن هذا المنصب».

وفي غضون ذلك، سوف يتعين على ماتيس التكيف مع الطبيعة المتغيرة للحرب، وقد خدم في القوات المسلحة لأربعة عقود ولكن تلك الفترة كانت قبل انتشار الأسلحة السبرانية التي استخدمتها كوريا الشمالية في السنوات القليلة الماضية من أجل تفادي النزاع المباشر. وكان المثل الأبرز قيامها بمهاجمة شركة سوني بعد أن أنتجت فيلماً يسخر من كيم جونغ اون. وقد استخدمت الولايات المتحدة تلك الأسلحة من أجل عرقلة تطوير بيونغ يانغ لأسلحتها النووية وربما يلجأ وزير الدفاع الأميركي إلى استخدام تلك الاستراتيجية من جديد في المستقبل القريب. ويقول بانيتا: « لدينا فرصة أفضل للسيطرة على التصعيد من خلال الطرق السبرانية وبقدر يفوق القنبلة».

استراتيجية الاحتواء والردع

إذا لم يتمكن وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس من دفع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ اون إلى التخلي عن أسلحته النووية فإن الخيار الوحيد لديه عندئذ قد يكون العودة إلى الاستراتيجية التي سبق أن استخدمتها الولايات المتحدة طوال عقود من الزمن ضد الاتحاد السوفياتي والمتمثلة في الاحتواء والردع.

وحسب وزير الدفاع الأميركي السابق ليون بانيتا، والأسبق تشك هاغل، فإن الرئيس الكوري الشمالي زعيم منطقي ويتصرف بعقلانية ويمكن دفعه إلى تغيير سلوكه وتصرفاته إذا عرضته الولايات المتحدة إلى الضغط بالشكل الصحيح، وهو ما يسمح بتفادي حدوث حرب مع بيونغ يانغ.