كان الوقت مساء ليلة خريفية في أحد فنادق شمال العاصمة المصرية القاهرة عندما جمعني اللقاء مع المهندس شريف اسماعيل وزير البترول المصري وقتئذ، رئيس الوزراء الحالي، لم يكن قد مر على إسقاط المصريين لحكم الإخوان في يونيو 2013 أكثر من أربعة أشهر، وكانت البلاد تمر بأزمة طاقة حقيقية تحمل مسؤولية البحث عن حل لها وزير البترول عندئذ. تناقشنا يومها عن إمكانية حل جزء كبير من المشكلة عن طريق الاستخدام العكسي لخط الأنابيب المصري الذي كان قد أنشئ قبلها بحوالي ثماني سنوات، وأثار حينئذ لغطاً شديداً، وانتهى الأمر إلى تقديم عددكبير من المسؤولين إلى المحاكمة، بعد أحداث يناير وسقوط نظام مبارك، بتهمة تصدير الغاز إلى إسرائيل، ومن بينهم وزير البترول الأسبق سامح فهمي، ذلك أن إسرائيل باتت اليوم تمتلك قدرات إنتاجية عالية من الغاز وتبحث عن سبيل لتصديره بما يتوافق مع تعقيداتها الداخلية إضافة إلى الجدوى الاقتصادية.

كانت النقطة الأخرى المهمة التي دارت في حديثنا كيف أن التوصل إلى مثل هذا الاتفاق إضافة إلى توفير الطاقة التي تحتاجها مصر سيكون أحد العناصر المهمة في حل مشكلة التحكيم التي تتعرض لها مصر بسبب القرار غير المدروس في أعقاب أحداث يناير بوقف تصدير الغاز لإسرائيل دون النظر إلى عواقبه القانونية، وهو الأمر الذي وضع مصر في موقف ضعيف في التحكيم، وبالفعل خسرت التحكيم بعد هذا اللقاء بعامين وأصبحت مصر مطالبة بسداد ما يقترب من ملياري دولار في إحدى قضايا التحكيم الخاصة بهذا الموضوع.

Ad

كان التصور أن إيجاد وسيلة لاستيراد الغاز من إسرائيل يمكن أن يساعد في حلحلة هذا الموضوع، كانت معوقات تنفيذ هذه الفكرة وقتها من وجهة نظر شريف اسماعيل تكمن في الجوانب القانونية التي لا تحمي المسؤول إذا اتخذ قرارا غير مرضي عنه في مرحلة تالية، وتوجهات الرأي العام وكانت رؤيتي أنه يمكن التعامل معها وإقناع الرأي العام بأهمية الإجراء، والعائق الثالث كان كبار الموظفين التنفيذيين الذين سيخشون اعتماد الإجراءات وهم يَرَوْن زملاءهم في السجون وفِي قاعات المحاكم بتهمة تصدير الغاز إلى إسرائيل، وأنهى شريف إسماعيل كلامه ضاحكاً بقوله «في هذه الحالة يكون هناك وزير سُجن بتهمة تصدير الغاز لإسرائيل، وأُسجن أنا بتهمة استيراده».

هذا الموقف يشرح إشكالية الجدل الذي تشهده مصر هذه الأيام بسبب الإعلان عن توقيع شركة خاصة لاتفاقية استيراد الغاز من إسرائيل، وهو النبأ الذي أثار موجة من التساؤلات حول جدوى هذه الاتفاقية، في ظل تصريحات حكومية مستمرة على مدار الشهور الماضية، عن أن مصر ستحقق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي بنهاية العام الحالي، بعد بدء الإنتاج الفعلي من حقل ظُهر أكبر اكتشافات الغاز في البحر المتوسط.

وما زاد اللغط لغطاً هو التصريح الذي أكد خلاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، أنه في «يوم عيد» بسبب تصدير الغاز لمصر، دون ذكر أي حقائق عن الصفقة.

مصر هي الدولة الوحيدة في منطقة شرق المتوسط التي تمتلك بنية تحتية لتسييل الغاز، بمصنعين من أكبر مصانع الإسالة في العالم، وتم إنشاؤهما قبل 15 عاماً بتكلفة 3.2 مليارات دولار، إلا أنهما توقفا عن العمل.

ما حدث هو أنه تم توقيع اتفاق لتصدير الغاز بين مجموعة ديليك الإسرائيلية التي تملك حقلي الغاز الإسرائيليين ليفتان وتمارا اللذين تم اكتشافهما في شرق المتوسط أمام الساحل الإسرائيلى، وشركة «دولفينوس» المصرية، وبموجبه تشتري الشركة المصرية ما يعادل 15 مليار دولار من الغاز الإسرائيلي على مدى 10 سنوات، وتنقل الشركة المصرية الغاز الإسرائيلي الذي تم شراؤه عبر شبكة الأنابيب البحرية المصرية إلى مصر، وتدفع الرسوم المستحقة عن عملية نقل الغاز الإسرائيلي الذي سوف تتم إسالته في محطتي الإسالة المصريتين لتصديره إلى أوروبا.

وكالة بلومبرغ المعنية بالشأن الاقتصادي، نقلت عن ريكاردو فابياني، الخبير في شؤون شمال إفريقيا بمجموعة (أوراسيا)، قوله إن «هذه هي اللحظة التي يتحقق فيها أخيراً كل الحديث عن تحوّل مصر إلى مركز إقليمي للغاز».

لقد أكدت وزارة البترول أن استيراد الغاز الإسرائيلي وإعادة تصديره، يمثل أحد الحلول لقضايا التحكيم الدولي المطروحة بين الشركات. لقد صار لزاما النظر في أبعاد المسألة والتعامل معها باعتبارها مصلحة مصرية مباشرة.