يصادف اليوم العيد السابع والعشرين لتحرير وطننا الغالي من الاحتلال العراقي البغيض، فنستذكر، بكل فخر واعتزاز، شهداء الوطن الأبرار الذين لم تُخلّد، مع الأسف، ذكراهم الطيبة سواء بنصب تذكاري أو بأسماء مُدن ومدارس وشوارع، كما نستذكر أبطال المقاومة الشجعان وتضحيات الشعب الكويتي بأطيافه ومكوناته كافة التي لا علاقة لها بالبطولات الإعلامية المُفبركة التي يتسابق البعض لتسجيلها كل عام.

ومع عدم نسيان آلام الاحتلال والمعاناة القاسية، فإن ذكرى التحرير ليست مجرد ذكرى عابرة، بل مرحلة تاريخية مفصلية يفترض الاستفادة من دروسها وعِبرها، حيث إن يوم التحرير هو يوم ميلاد دولة جديدة بعد احتلال الأرض ومحاولة الطاغية المقبور صدام ونظامه المجرم إلغاء الدولة من الوجود، ثم مطالبة الرئيس الفرنسي الأسبق "فرانسوا ميتران" بأن يُترك للشعب الكويتي تقرير مصيره، فكان انعقاد مؤتمر "جدة" في أكتوبر 1990 الذي أكّد بشكل واضح لا يحتمل الغموض أو اللبس على التمسك بالأرض والوطن و"الشرعية الدستورية" أي الشرعية السياسية المستندة إلى الالتزام بدستور 1962 بمواده كافة.

Ad

لقد كانت آمال الشعب كبيرة بعد التحرير في أن يستفاد من دروس الغزو والاحتلال ومما سبقهما من أحداث سياسية محلية عاصفة أثناء "دواوين الاثنين"، وذلك في الالتزام بالدستور وبناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة يشارك فيها الجميع، فهل تم بالفعل الالتزام بالدستور حسب اتفاق "مؤتمر جدة"، أم تم تجاوزه والالتفاف عليه؟ الجواب تبينه أبرز الأحداث السياسية التي حدثت منذ يوم التحرير، فقد أُعيد العمل بـ"المجلس الوطني" وهو المجلس غير الدستوري الذي أنشأته السُلطة قبيل الاحتلال (ثُلثه مُعين من قِبل الحكومة) وكان يراد منه أن يحل محل مجلس الأمة المُنتخب ويُغيّر بعض مواد الدستور باتجاه تحويله لدستور غير ديمقراطي، علماً أن الإعلان عنه قد واجه معارضة شعبية واسعة قاطعت انتخابه.

ولم تتراجع السُلطة عن "المجلس الوطني" إلا بعد المعارضة الشعبية القوية التي قادها، آنذاك، شخصيات سياسية وطنية بارزة في طليعتهم الرمز الوطني الكبير د. أحمد الخطيب ورفاقه، حيث وصل الأمر إلى إعلان نيتهم، وذلك في حالة عدم الاستجابة لمطالبهم التي تم الاتفاق عليها في "مؤتمر جدة"، وهي العمل بالدستور وعودة مجلس الأمة، عقد مؤتمر خارجي يُعلنون فيه للعالم نقض السُلطة لالتزاماتها المُعلنة في "مؤتمر جدة".

تراجعت السُلطة عن "المجلس الوطني" تحت ضغط المعارضة فتمت الانتخابات العامة لمجلس 1992 الذي طالب عدد من أعضائه بتشكيل "لجنة تحقيق في أسباب الغزو والاحتلال" ولكن الحكومة عارضت الطلب فتحولت إلى "لجنة تقصي حقائق" انتهت نتائجها في الأدراج، وكأن لا أحد، على الإطلاق، يتحمل مسؤولية الغزو والاحتلال وإلغاء الدولة!

واستمرت بعد ذلك عمليات الشد والجذب السياسية التي كانت تدور حول عدم التزام الحكومة بالدستور كأساس لبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، رغم أوجه قصوره التي ليس هنا مجال لذكرها، وهو ما أدى إلى رفع شخصيات معارضة قبل سنوات شعار "إلا الدستور"، ومع أن نصوص الدستور بقيت، حتى الآن، من دون تغيير إلا أن موازين القوى مُختلّة في غير مصلحة تطبيق المضامين المدنية-الديمقراطية وتطويرها، وهو ما أدى إلى تفريغ مواد الدستور من فحواها، وتقليص قاعدة المشاركة الشعبية في صنع السياسات العامة وإقرار القوانين بعد أن انفردت الحكومة قبل سنوات قليلة بوضع نظام انتخابي مُشوّه وغير ديمقراطي يسمح لها بالسيطرة على مخرجات الانتخابات العامة، وبالتالي على مجلس الأمة.