عقب عرضه العالمي الأول في برنامج «ليال عربية» بالدورة الرابعة عشرة لمهرجان دبي السينمائي الدولي (6 – 13 ديسمبر 2017)، تستعد الشركة الموزعة لفيلم «بلاش تبوسني» (مصر / 2017 / 88 دقيقة) لطرحه في الصالات التجارية المصرية ابتداء من 28 فبراير الجاري، بعدما اختارت إدارة مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة عرضه في ختام الدورة الثانية (20 - 26 فبراير 2017).

يمثل «بلاش تبوسني» تجربة خاصة لمخرجه أحمد عامر، الذي عرفناه مشاركاً في كتابة «الشتا اللي فات» (2013)، وكاتباً لسيناريو وحوار «علي معزة وإبراهيم» (2016)، ويمثل تجربته الأولى في الفيلم الروائي الطويل كاتباً ومخرجاً.

Ad

ينتمي الفيلم إلى نوعية «الفيلم داخل الفيلم»، من خلال البطلة «فجر» (ياسمين رئيس)، التي تفاجئ مخرج فيلمها الجديد (محمد مهران) بأنها قررت ارتداء الحجاب، من ثم ترفض أداء مشهد تُقبل فيه البطل، ما يتسبب في أزمة للمخرج، الذي يرى أن القبلة تمثل عنصراً رئيساً في المشهد، والفيلم بأكمله، ولا يمكن الاستغناء عنها. يتسبب ذلك في صراع بينه والبطلة ومنتج الفيلم، الذي يسعى إلى إنهاء الفيلم بكل السبل، غير مبال برغبة المخرج في تقديم رؤيته بالشكل الذي يُرضي قناعاته!

فكرة تُعيد إلى الأذهان واقعة حقيقية جرت أثناء تصوير فيلم «أحلام حقيقية» (2006)، الذي ارتدت بطلته حنان ترك الحجاب، بعد تصوير نحو نصف مشاهده، ثم طالبت بتعديل سيناريو الفيلم لتستكمل بقية مشاهدها بالحجاب، ما أربك حسابات المخرج محمد جمعة، وأوقعه في مأزق حرج اضطر خلاله إلى التحايل لاستكمال التصوير بالشكل الذي لا يُفسد رؤيته. لكنّ عامراً وجد الفرصة مواتية لصنع فيلم يفضح فيه ما يجري في «كواليس» تصوير الأفلام المصرية، والسخرية بشكل لاذع من العقلية المتطرفة التي باتت تحكم بعض العاملين في الصناعة، والمجتمع عموماً، حيال الفن والإبداع!

«كواليس» تُذكرك، أيضاً، بما قدمه المخرج محمد راضي في فيلم «صانع النجوم» (1976)، لكنّ عامراً كان أكثر جرأة في مناهضته، وتعريته، لما يجري داخل الوسط الفني، وخارجه، عبر شخصية المخرج التسجيلي الذي رصد مساحة التسامح التي كانت تتعامل بها السينما المصرية مع «القبلات»، قبل أن تنقرض، وتتحول إلى «تابوهات»، في ظل سيطرة «فكر التحريم»، والتداخل الممقوت بين{الفن» و{الدين». فالبطلة «فجر» (اسمها يوحي بفجورها) اشتهرت بتجسيد أدوار فاضحة، في أفلام من بينها ما يحمل اسم «أنثى في الظلام»، ارتدت فيها الملابس العارية، ولم تتورع عن تقديم أدوار الراقصة، قبل أن تأتيها رؤية في منامها تشعر معها بأن النظرات تعريها، وتنهش جسدها، وعندما تقص لشيخ ما تراه ينصحها بالتوبة، وتحاول تصوير مشهد القبلة لكن الآذان يباغتهم أثناء التصوير، وتتيقن وقتها أنها علامة ربانية!

يبحث الفيلم في التناقض الذي أصاب بعض ممثلات الجيل الحالي بين الرغبة في الوصول إلى مجد الممثلات القدامى، مثل هند رستم وسعاد حسني، وبين انحراف أفكارهن، التي تدفع بعضهن إلى التمثيل بـ{الباروكة»، بحجة أنها نوع من الحجاب، وترى أن لباس البحر المؤلف من قطعتين من المحرمات بينما «مايوه القطعة الواحدة» حلال، وتدعو بعضهن إلى التفكير في شراء الأفلام التي قمن ببطولتها، للتخلص من سوءات سنوات الجاهلية، قبل ارتداء الحجاب. كذلك يُندد الفيلم بالمنتجين، الذين أغرقوا السوق بأفلام هابطة ومبتذلة ثم صاروا فجأة من دعاة الفضيلة، وأنصار «السينما النظيفة»، ويستعير المخرج / الكاتب مقولة الشيخ الشعراوي التي قال فيها إن «السينما مثل السكين التي تقتل كما تقطع قالب الزبدة»، ويفند دعوة البعض إلى الاقتداء بتجربة السينما الإيرانية، واعتزال بعض النجمات، بناء على نصيحة «الشيوخ»، وإذعان السينما لفكر التطرف (القبلات ممنوعة والأحضان بين الأم وابنها العائد بعد غيبة مكروهة). وفي مزج بين التسجيلي والروائي يستعين المخرج بالمخرجين خيري بشارة ومحمد خان، اللذين يتحدثان عن القبلة في أفلامهما: «أيس كريم في جليم»، و{إشارة مرور»، و{طائر على الطريق»!

أخطر ما في فيلم «بلاش تبوسني» أنه بدا، في لحظة، وكأنه يتناقض مع نفسه، وينقلب على دعوته الجريئة، فالسخرية بلغت حد الإساءة إلى الصناعة، بدلاً من مناصرتها ضد الهجمة البربرية التي تتعرض لها، و{السينما النظيفة» بدت وكأنها الحل الأمثل للخلاص من «وسط داعر»، عوضاً عن التنديد بمثل هذه الدعوة الغبية. ولولا نجاح المخرج في ضبط الأداء التمثيلي، والسيطرة على مساحة الارتجال، والبراعة في انتقاء وتجميع الأفلام القديمة، التي رصدت «القبلة»، من دون أن يرى المجتمع فيها ما يخدش الحياء العام، لأصبحنا إزاء فيلم رجعي يناصر الجهل بدلاً من أن يفضح التخلف!