كلما زرت السودان بدت لي المفارقة كبيرة؛ فحيث التقاء النيلين؛ الأزرق والأبيض، وحيث المزارع داكنة الخضرة، وجريان النهر الحي والمتدفق، وتوفر الإمكانات مُتاح لزراعة وصناعة وتجارة مزدهرة، لا يزال السودان يعيش حالة فقر ظاهرة للعيان سواء على مستوى البنى التحتية، وما يلحق بها من شوارع ومرافق عامة، أو على مستوى الحالة الاجتماعية للشعب السوداني الشقيق، لكن ما يظهر جلياً هو تلك الطيبة والحفاوة الكبيرة التي يظهرها السوداني للضيف، وكذلك هذا الاهتمام الجلي في الثقافة، وحرص الشباب على حضور المناسبات الثقافية والفنية.

إن مبادرة شركة "زين" السودان لتبدو غير مسبوقة، في تبنيها ودعمها فكرة "جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي"، فهي تحتفي سنوياً بشكل لافت، على مستوى الوطن العربي، بكاتبها الأشهر صاحب رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" الطيب صالح، بأن تقيم احتفالية كبيرة، يكون محورها الأساسي الإبداع العربي في مختلف المجالات، ويكون الطيب صالح، كمُلهم وكاتب سوداني استطاع الوصول إلى العالمية حاضراً طوال الوقت، أمام أجيال من المفكرين والكتّاب السودانيين والعرب. كما تقوم بتكريم مجموعة من المبدعين العرب الفائزين في مختلف فروع مسابقاتها. وكم أتمنى لو تحذو المؤسسات والشركات المالية العربية الكبرى حذو "زين" السودان، في تكريم أدبائها ومبدعيها بما يستحقون من احتفال يليق ببقاء المبدع حتى بعد أن ينتقل إلى لقاء ربه. وفيما يُعد جزءاً من تحمل المسؤولية الاجتماعية في شكلها الأجمل. إضافة إلى تشجيع وتكريم المبدع العربي في شخص الفائزين.

Ad

جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، احتفلت بدورتها الثامنة خلال الفترة (14-15) فبراير الجاري، وكانت تحت شعار جملة وردت في كتابات الطيب صالح، تقول: "كتبتُ حتى أقيم جسراً بيني وبين بيئة افتقدتها"، وكان الجسر الأهم في هذه الاحتفالية، يتجلى بجمع كوكبة من المبدعين العرب والسودانيين حول مائدة الحوار والشهادات، وبحضور لافت من جمهور شبابي سوداني غفير، كان على امتداد جلسات الاحتفالية يملأ المكان ويزيد، وكان هو الضيف الأهم على هذه الاحتفالية، وبما يظهر تعطش هذا الجمهور وتفاعله الكبير مع المنتج الإبداعي والثقافي العربي ومع النقاشات الكثيرة التي تلت كل جلسة!

إن وقوفاً مستحقاً أمام هذه التظاهرة الثقافية يستوجب الإشارة والإشادة بجميع الجهود الصادقة التي ينهض بها مجلس أمناء الجائزة، بقيادة البروفيسور علي محمد شمو، وبإدارة وجهد وافر من الزميل الأستاذ مجذوب عيدروس. إضافة إلى الاهتمام الجلي من "زين السودان" متمثلا بحضور الرئيس التنفيذي الفريق طيار الفاتح عروة، وحرصه على حضور الجلسات والتواصل مع الضيوف، وتقديم كل ما من شأنه إنجاح هذه الاحتفالية، وإصراره على "ان ما تقدمه زين السودان من دعم وتشجيع للثقافة والإبداع في السودان، هو في جوهره خدمة للإبداع والثقافة العربية". لقد باتت الجوائز العربية جزءا لا يتجرأ من المشهد الإبداعي والثقافي العربي، وربما كان هو الجزء الأهم في مشهد اجتماعي عربي مؤلم ومليء بالحروب والقمع والتوحش. ويزيد قيمة أي جائزة كونها تمثل تظاهرة ثقافية واحتفاء بالمبدع والمثقف، وتجسير الهوة بينه وبين جمهور التلقي. وألا يقف دور الجائزة عند الإعلان عن الفائزة وتسليمه شهادة ومبلغ فوزه بالجائزة، ولقد بدا هذا الأمر واضحاً في جائزة الطيب صالح للإبداع. فبقدر ما حرص المنظمون على الاحتفاء بالمبدعين العرب، وترتيب جلساتهم، حرصوا من جهة أخرى على تسهيل كل ما من شأنه جعل الجمهور جزءا حيا ومتفاعلا في الجلسات والنقاشات التي تلتها.

احتفت "زين السودان" بطريقة ثقافية عصرية ناطقة بذكرى مبدعها الأهم الطيب صالح، وطوّبت جائزة عربية للإبداع باسمه، وهي بذا تقول: "السودان يُقدّر مبدعيه من جهة، ويجعل منهم وصلاً إبداعياً دائماً مع المبدع العربي وأثره حيثما كان".