انتهى مؤتمر الكويت الدولي لإعادة إعمار العراق، واختصاره "مكداع"، بعد ثلاثة أيام، بتعهدات في حدود 30 مليار دولار، بعضها خطوط ائتمانية، وبعضها قروض وتسهيلات واستثمارات.

وكان العراق قدَّر احتياجاته بـ 88 مليار دولار، أي أن التعهدات تغطي نحو30٪ فقط. تلك التعهدات هي في عداد النوايا، حتى يتم تفعيلها، وفي أحيان كثيرة لا يتم ذلك، وخاصة عندما لا يتم تحضير وتجهيز مؤسسة تجمع وتتابع تلك التعهدات، إضافة إلى تنفيذها.

Ad

التصور بأنه حال عقد المؤتمر، فإن أموالاً ستجمع وتسلم للحكومة العراقية، هو تصور ساذج، وغير مطلع على ميكانيكية مؤتمرات من هذا النوع، فهي ليست أفضل الوسائل، لكنها مبادرة إبداء نوايا من المنظومة الدولية، باستعدادها لإعادة إعمار بلد عانى طويلاً التدمير والتكسير الممنهج.

شارك في "مكداع" 76 دولة، و107 منظمات دولية وإقليمية، و51 صندوقاً ومؤسسة تنموية، ونحو 2000 جهة قطاع خاص، وغطاه أكثر من 400 إعلامي من كل أنحاء العالم، ويُعد ذلك نجاحاً من هذا الجانب بالنسبة للكويت، حيث كسبت احترام العالم، وللعراق، حيث كان قادراً على التفاعل بجدية بتقديم مشروعات تبدو أكثر احترافية مما سبق.

بالنسبة للكويت، من المعروف أن الداعم الرئيسي للمبادرة هو سمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد، ما أعطى المبادرة زخماً والتزاماً أكيداً لم تثنه الأصوات المعترضة، باختلاف أسبابها، التي كانت "متحشمة" في إبداء رأيها، كون المتبني هو رئيس الدولة. بل إن البعض رفض المبادرة، بسبب الفساد في العراق، من دون أن يشير إلى حجم الفساد عندنا في الكويت.

لم يكن "مكداع" مؤتمر مانحين تقليدياً، لذلك كان لابد من فك الاشتباك بين فكرة "المانحين" و"الإعمار". نعم، هناك حاجة ماسة وعاجلة لدعم الملف الإنساني، وبالذات ملايين الأطفال المشرَّدين، والتركيز على البنية التحتية، والرعاية الصحية والتعليمية، وإعادة ملايين النازحين إلى بيوتهم، وربما على الأخص بالموصل، التي بلغ الدمار فيها من٦٠ إلى ٨٠ في المئة.

المبادرة الكويتية، أياً كانت نتائجها، ستنعكس إيجاباً لمصلحة الطرفين؛ الكويتي والعراقي، بالدرجة الأولى، بغض النظر عن الآراء المسيَّسة التي لا يعنيها أن يظل العراق في وضعه الغارق في الديون (130ملياراً نهاية السنة، وفق آي إم إف)، ولا يعنيها أن يظل العراق مدمراً، بل تعنيها الغلبة السياسية لفئة على فئة، واحتكار الذات بنظرية المؤامرة.

الإشكالية لم تكن أبداً في عقد المؤتمر، وقد نجحت الكويت فيه، كاسرة حواجز كثيرة وكبيرة. الإشكالية أنه لم تكن هناك إجابة واضحة عن أسئلة، مثل: كيف ستدار الأموال، ومَن سيتولى التنسيق بين الأجهزة المستثمرة المتعددة، وكيف سيتم التعامل مع ملف الفساد الضارب في العمق، وما مقاييس الإنجاز، علماً بأنها ليست بهذه الجودة، وكيف ستدار حملة إعادة الإعمار، وهل ستلتزم بمبادئ العدالة وعدم التمييز والتفرقة المناطقية أو العرقية أو الإثنية أو المذهبية، وكيف سيتم التعامل مع الحالة الأمنية والميليشيات المتعددة، وتأثير دول الجوار؟ تلك أسئلة مشروعة معقدة، ربما ستزيدها تعقيداً الانتخابات القادمة في شهر مايو.

انتهى المؤتمر، لكن الأسئلة تظل مفتوحة، والمرجح أنها ستظل كذلك ردحاً من الزمن. ومع ذلك، فإن انطلاق المبادرة من الكويت تحديداً، يجعلها ذات نكهة خاصة، قد تحرِّك مياهاً راكدة، وقد تجعل منطق الأمل يسود على منطق الألم والشك، فطريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة، ولربما تكون هذه المبادرة هي تلك الخطوة.