الخلافات التي كانت تعتمل من وراء الستار بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية حول جارتها الشمالية أصبحت ظاهرة للعيان، وقبل يوم واحد من انطلاق الأولمبياد الشتوي في كوريا الجنوبية وجهت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية رسائل متضاربة حول كون ذلك الأولمبياد بداية أم نهاية الاشتباك مع بيونغ يانغ. وكان رئيس كوريا الجنوبية مون جي أون أعرب قبل اجتماعه مع نائب الرئيس الأميركي مايك بنس عن رغبته الجلية في أن يمهد الاجتماع المرتقب بين مسؤولين من الكوريتين لإجراء مفاوضات حقيقية حول برنامج كوريا الشمالية النووي والتوصل في نهاية المطاف إلى اتفاق لإنهاء التوترات التي عصفت بشبه الجزيرة الكورية طوال عقود من الزمن.

وقال الرئيس الكوري الجنوبي «نحن بالتأكيد نأمل استغلال هذه الفرصة إلى حدها الأقصى، بحيث يصبح أولمبياد الألعاب الشتوية في بيونغ تشانغ المكان الذي يفضي إلى حوار يهدف إلى إزالة الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية وإقامة سلام فيها».

Ad

من جهته امتنع نائب الرئيس الأميركي بنس عن الحديث حول أي شيء يتعلق بالمستوى الرفيع للمحادثات بين الكوريتين في بيونغ تشانغ، واكتفى بدلاً من ذلك بتكرار رغبته في استمرار الحملة الأميركية «في توجيه أقصى ضغط» على نظام كيم جونغ أون في كوريا الشمالية.

كما أن الاجتماع الذي أعده فريق بنس لم يتطرق الى الحوار مع بيونغ يانغ، واقتصر على الإشارة إلى أن بنس والرئيس الكوري الجنوبي «ناقشا أهمية تكثيف الضغط العالمي للحملة على كوريا الشمالية حتى تتخلى عن برامجها النووية والصاروخية مرة واحدة والى الأبد».

وفي وقت سابق من الأسبوع الماضي وفي قاعدة يوكوتا الجوية في اليابان سألت نائب الرئيس الأميركي بنس ما إذا كان يخطط للتعامل مع رغبة الرئيس الكوري الجنوبي العلنية إزاء البناء على مشاركة من خلال الألعاب الأولمبية في بيونغ تشانغ، وقد أجاب بأن إدارة ترامب تريد أن ينتهي تحسين العلاقات مع كوريا الشمالية مع نهاية الأولمبياد.

وقال بنس «نحن نريد أيضاً أن يستمر تأكيد التزامنا بعد ذلك الأولمبياد والعمل على عزل كوريا الشمالية على الصعيدين الاقتصادي والدبلوماسي». وكانت تلك الرسالة هي التي حرص بنس على تكرارها في كل محطة خلال جولته الآسيوية مع التأكيد على أن إدارة ترامب لا تدعم تحقيق اختراق دبلوماسي في هذا الوقت.

موقف بنس

وقد رفض بنس القول ما إذا كان يعتقد أنها فكرة جيدة أن يجتمع الرئيس مون مع اثنين من كبار المسؤولين في كوريا الشمالية، وذلك عبر تناوله طعام الغداء مع كيم يونغ نام، وهو رئيس الجمعية الشعبية العليا في بيونغ يانغ، وكيم يو جونغ وهي شقيقة الرئيس الكوري الشمالي. ورفض بنس الإفصاح عما إذا كان يريد الاجتماع مع أي مسؤول كوري شمالي في هذه الفترة.

ولكن إذا حدث لقاء من هذا النوع فإن بنس يصر على أن رسالته ستكون هي ذاتها التي كان يوجهها الى المسؤولين الكوريين الشماليين طوال الأسبوع الماضي، وهي أن «على بيونغ يانغ إنهاء الخداع والاستفزاز وتطوير أسلحة نووية وتهديد المنطقة والعالم».

ويوجد خلاف آخر داخل إدارة ترامب أيضاً فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، ويتمحور ذلك الخلاف حول أن الوقت الراهن ليس ملائماً لمشاركة من نوع ما مع بيونغ يانغ– وهي رسالة ثابتة من البيت الأبيض– مع التأكيد على أن خطة كوريا الشمالية لن يكتب لها النجاح.

فرصة الحوار

في غضون ذلك كانت وزارة الخارجية الأميركية تحاول أن تجد فرصة للحوار، كما أن الوزير ريكس تيلرسون كرر معارضته لموقف البيت الأبيض من خلال الإعلان عن أن المحادثات مع بيونغ يانغ يمكن أن تبدأ في أي وقت من دون شروط مسبقة.

ويعتقد بعض المسؤولين أن وزير الخارجية الأميركي يأمل التوصل الى فرصة في المقام الأول، ومن ثم يبدأ محاولة شخصية من أجل إقناع دونالد ترامب بضرورة انتهاز هذه الفرصة، وتجاوز بنس وموظفي البيت الأبيض، وكان بنس خلال زيارته الأخيرة الى بيرو في الأسبوع الماضي قد طرح علانية فكرة عقد اجتماع بين بنس ومسؤولين كوريين شماليين.

ويرى خبراء أن دبلوماسية الألعاب الأولمبية التي بدأها رئيس كوريا الجنوبية يمكن أن توفر الفرصة التي يسعى اليها وزير الخارجية تيلرسون في الوقت الراهن، وضمن ذلك السياق ترتبط وزارة الخارجية الأميركية مع إدارة كوريا الجنوبية بقدر يفوق ارتباطها مع بنس والبيت الأبيض.

إمكانية السلام

ويواجه بنس خطر التعرض إلى عزلة، وهو يبدو متردداً جداً في انتهاز فرصة لتحقيق سلام، وهنا يأتي دور رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، وقد ترددت تكهنات بإمكان عقد اجتماع ثلاثي يضم بنس ورئيس كوريا الجنوبية وآبي، ولكن لم يتحدد بعد أي موعد لذلك الاجتماع، ثم إن بنس وآبي يريدان طرح جبهة موحدة على مون المجادلة بضرورة اتخاذ موقف أكثر شدة.

ولكن ما قد يخفق بنس وآبي في تحقيقه هو أن رغبة الرئيس الكوري الجنوبي في إنجاح الألعاب الأولمبية واستكشاف فرصة للالتقاء مع نظام كيم في كوريا الشمالية قد تفوق تعهده بتأكيد قوة وحدة التحالف، وربما يقلل نائب الرئيس الأميركي من أهمية الضرر الذي تمثل بمعاملة ترامب لكوريا الجنوبية منذ الحملة، وتأثير ذلك على رغبة مون في اتباع الخط السياسي للولايات المتحدة.

لقد برز الخلاف الخاص السابق بين ترامب وإدارة مون إلى العلن، وما لم تتم معالجة هذا الوضع فإن الضرر الذي يمكن أن يلحق بالعلاقات الأميركية الكورية الجنوبية يمكن أن يستمر في نهاية المطاف حتى بعد انتهاء دورة الألعاب الأولمبية.

● جوش روجن – «واشنطن بوست»