لا أحد ينكر أنه لابد من دور رئيسيٍّ للروس في أزمات هذه المنطقة المتزايدة، وأولها الأزمة السورية، فروسيا الاتحادية دولة رئيسية، ولها مصالح "استراتيجية" في الشرق الأوسط كله، وهي الوريث الشرعي للاتحاد السوفياتي الذي كان القطب الأكبر الثاني خلال الحرب الباردة وصراع المعسكرات، والذي ليس له موطئ قدم فقط، ولكن وجود عسكري فاعل ومؤثر في عدد من الدول العربية، من بينها مصر والعراق وبالطبع سورية والجزائر واليمن الجنوبي وليبيا، وكان كل هذا قبل انهياره في بدايات تسعينيات القرن الماضي، وعلى أيدي الشيوعيين أنفسهم ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسين بصورة رئيسية.

دخل الروس (السوفيات) سورية في عام 1949 خلال عهد حسني الزعيم (الانقلابي) القصير العمر، وبقوا فيها كل هذه السنوات الطويلة، على اعتبار أن روسيا الاتحادية استمرارٌ للاتحاد السوفياتي، وبخاصة بالنسبة للعلاقات الدولية وأيضاً الوجود الأمني والعسكري، سواء في بعض دول الشرق الأوسط (العربية)، أو في الشرق الأقصى مثل كوريا الشمالية وفيتنام وغيرهما.

Ad

والمقصود هنا هو أنه لا يمكن إنكار أن هذه المنطقة الشرق أوسطية منطقة مصالح حيوية لروسيا، إنْ في عهد القياصرة، أو في العهد الشيوعي، أو في هذا العهد الذي استعاد بعض ما خسره الروس في هذه المنطقة، ولذلك فإنه لا اعتراض بصورة عامة على أن يكون لموسكو دور رئيسي في الأزمة السورية، فالاعتراض هو على أن الرئيس فلاديمير بوتين وضع كل ثقله وثقل بلاده في اتجاه واحد هو الإبقاء على هذا النظام الذي ولغ في دماء السوريين حتى الثمالة، والذي فتح أبواب سورية لكل هذه "الاحتلالات" التي أخطرها الاحتلال الإيراني، الذي أخطر ما فيه أنه أعاد هذه المنطقة إلى عهود الصراعات المذهبية والطائفية، وإلى مرحلة العهد الصفوي المشؤوم.

إن المؤكد لو أن روسيا لم تنحز كل هذا الانحياز إلى نظام بشار الأسد، وإلى جانب إيران، التي ثبت أن لها أطماعاً كثيرة في هذه المنطقة العربية، ولو أنها لم تتعامل مع هذه الأزمة، التي غدت أكثر تعقيداً من ذنب الضب، بطريقة الاستحواذ والهيمنة، وتجاهُل أن غالبية الشعب السوري لا تريد هذا النظام، وأيضاً تجاهل أن هناك معارضة عقلانية فعلية لا علاقة لها بالإرهاب ولا بـ "داعش"، وأن كل ما تريده هو أن يستعيد السوريون على الأقل مرحلة بدايات خمسينيات القرن الماضي، حيث أجريت في نهايات المرحلة الـ "شيشكلية" انتخابات معقولة، إن لم تكن ديمقراطية.

كان يجب ألاّ ينعقد مهرجان "سوتشي"، الذي أرسل له بشار الأسد، بمباركة روسية، 1200 مصفق و"رداح"، فكان أن فشل فشلاً ذريعاً باعتراف أصحابه، وكان من المفترض أن يتواصل العمل على خط "جنيف" لتجنب كل هذا التصعيد، وكل هذا الاستقطاب الدولي الذي من غير المستبعد أن يؤدي إلى مواجهة عسكرية بين الروس والأميركيين... لكن الواضح أن "الأصدقاء" الروس ماضون فيما كانوا بدأوه، وهذا إنْ هو استمر، ستكون عواقبه وخيمة، وأخطر عاقبة أن هذا البلد سيتشظى وسيتحول إلى دويلات متصارعة تدور كلها حول الفلك الإسرائيلي.