قبل 46 سنة عطلت مجموعة من اللصوص مهمة زرع أجهزة التنصت في مكاتب اللجنة الوطنية الديمقراطية في مبنى "ووتر غيت" في العاصمة واشنطن، وبعد سنتين استقال نيكسون من منصبه كرئيس عقب إخفاق عملية التغطية اللاحقة، صحيح أن أوباما لم يعد رئيساً إلا أن الانتهاكات التي ارتُكبت في مكتب التحقيقات الفدرالي ووزارة العدل خلال عهده قد تتخطى فضيحة "ووتر غيت" من جهة أهميتها التاريخية والضرر الذي ألحقته بالحكومة الأميركية.

يصيب المسؤولون في واشنطن عندما يرددون باستمرار أن "عملية التغطية هي ما يفضحك دوماً لا الانتهاك الأساسي". وتُظهر الأدلة مدى صحة هذه المقولة، وخصوصاً في حالة نيكسون، لكن دقتها تجلت أيضاً في الماضي القريب عند اتهام بيل كلينتون بتقديم شهادة زور وعرقلة سير العدالة لا سوء استعمال السلطة مع متدربة في الثانية والعشرين من عمرها.

Ad

ولكن مع رفع مجلسَي النواب والشيوخ السرية أخيراً عن مذكرتَي نونس وغراسلي، يتضح أن الجرائم المزعومة هذه المرة أشد خطورة بكثير من محاولة فاشلة لزرع أجهزة تنصت في المكاتب الخاصة لحزب سياسي، فمن الممكن أن تهز هذه الجرائم ثقة الأميركيين بمؤسسات يُفترض أنها عريقة، مثل مكتب التحقيقات الفدرالي، وقدسية حقوقنا الدستورية كمواطنين، وخصوصاً تلك التي يضمنها التعديل الرابع، مثل الحماية "من عمليات التفتيش والمصادرة غير المنطقية" أو إصدار مذكرات توقيف من دون "سبب محتمل".

صحيح أن اللجنة المختارة الدائمة للمخابرات في مجلس النواب واللجنة القضائية في مجلس الشيوخ أمضتا أشهراً في التحقيق في المسائل المطروحة أمامهما لترفعا أخيراً السرية عما توصلتا إليه، إلا أننا بدأنا لتونا بفهم مدى اتساع وعمق الفضيحة التي نواجهها، ورغم ذلك تُعتبر الوقائع التي تعرضها المذكرتان صادمة بحد ذاتها، وخصوصاً إذا تأملنا تداعياتها على الأميركيين كافةً.

ندرك سلفاً أن مكتب التحقيقات الفدرالي ووزارة العدل حصلا خلال الانتخابات الرئاسية عام 2016 على مذكرة سرية تتيح لهما التجسس على المواطن الأميركي كارتر بايدج، وهو مستشار متطوع في حملة ترامب، واستند طلب المذكرة هذا إلى ملف "بحث أجراه الفريق الخصم" وسدد تكاليفه الحزب الديمقراطي وهيلاري كلينتون بواسطة محاميها، إلا أن مكتب التحقيقات الفدرالي ووزارة العدل لم يُطلعا قاضي محكمة مراقبة المخابرات الأجنبية الذي نظر في طلب المذكرة على هذا الواقع وهو أن المرشح والحزب اللذين يواجهان ترامب في الانتخابات هما مَن دفع تكاليف هذا الملف.

وهذا يعني تعمّد مكتب التحقيقات الفدرالي ووزارة العدل إخفاء أدلة نفي عن محكمة المراقبة بغية البدء بالتجسس على عضو من فريق ترامب، وتمكن مرشحة الرئاسة كلينتون من استغلال عناصر تطبيق القانون الفدرالية والمجتمع الاستخباراتي بغية التجسس بطريقة غير مشروعة على حملة المرشح الخصم.

وثمة سبب وجيه لعدم تأسيس الولايات المتحدة وكالة تجسس محلية، حتى بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 حين كانت الأصوات المنادية بإنشاء هيئة مماثلة هي الأعلى، إذ تحتوي جينات جمهوريتنا على أمر يرفض فكرة قيام "شرطة سياسية" دائمة بمراقبة مواطنيها، ولهذا السبب بالتحديد، وهنا تكمن المفارقة، وُضع قانون مراقبة المخابرات الأجنبية عام 1978 كرد على انتهاكات عهد نيكسون.

ومن المفترض أن يكون التجسس على الأميركيين متقطعاً وأن يُحدَّد وفق كل قضية على حدة، بما أن من الضروري تقديم الأدلة التي تدعم الموافقة على كل هدف أمام قاضٍ خاص في محكمة مراقبة المخابرات الأجنبية، ولكن عندما يخبِّئ اختيار الهدف دوافع سياسية وعندما يُخفى هذا الواقع عن السلطة التي تمنح الموافقة، يصبح كل الأميركيين مهددين، فيجب ألا يشكّل العمل لدى مرشح أحد الأحزاب الرئيسة معياراً لتعرضه للتجسس، بغض النظر عما إذا كان جمهورياً أو ديمقراطياً، لأن هذا السلوك ينم عن طغيان.

لكن الجزء الأكثر غرابة من هذه القصة هو أن اليسار السياسي يبدو مرتاحاً جداً مع هذا السيناريو، ويود الحد من أهمية هذه الاكتشافات الأولية والتقليل من شأنها، فطوال عقود طالب اليسار دوماً بالإفصاح الكامل، وحوّل محاربة سوء استغلال سلطة الحكومة إلى ركيزة أساسية في رسالته.

ولكن ألا تُعتبر الجرائم جرائم إلا إذا ارتكبتها إدارة يمينية؟ بعد إثبات شهادة الزور وعرقلة سير العدالة في عهد أوباما، عليبنا اليوم أن ننتظر لنرى ما إذا كانت وزارة العدل ستغض النظر.

* سيباستيان غوركا

* «ذا هيل»