لست بصدد مناقشة تفاصيل مؤتمر إعادة إعمار العراق، فليس من عاداتي الحديث عن كل شيء والتعليق على أي شيء لمجرد الوجود وإن لم أفقه فيه.

المسألة التي تعنيني بشكل أساسي هي إعلان تبرع الجمعيات الخيرية الكويتية بمبلغ يفوق الـ100 مليون دولار في هذه المناسبة، حيث تبرع بيت الزكاة الكويتي ووزارة الأوقاف والأمانة العامة للأوقاف بمبلغ وقدره 35 مليون دولار في حين تبرعت جمعية الإصلاح بعشرة ملايين دولار، وجمعية إحياء التراث بعشرة أخرى، أما صندوق إعانة المرضى فقد تكفل بالتبرع بخمسة ملايين دولار، بالإضافة إلى جمعيات أخرى تكفلت ببقية المبالغ.

Ad

اخترت الجهات التي ذكرتها بالاسم تحديدا لغاية في نفسي سأوضحها في هذا المقال، وسأتجاوز عن التبرير غير المقنع بأن هذه التبرعات المعلنة من قبل هذه الجهات لا تعدو كونها تعهدات بالسعي إلى جمع هذه المبالغ في غضون فترة زمنية معينة.

فتلك الجهات والجمعيات يفترض، وأكرر يفترض، أن تكرس عملها الخيري الأساسي داخل الكويت، فإن لم تجد من يحتاج للمساعدة (وما أكثرهم) داخل الكويت حينها فقط من الممكن قبول فتح باب التبرع على مصراعيه لدول العالم كلها، وأنا لا أقول هذا الكلام من منطلق أناني، بل من منطلق أمني واجتماعي بحت، فأن يكون هناك محتاجون داخل الكويت من الكويتيين أو غيرهم من جنسيات فإن احتياجهم إن لم يسد بالطرق الإنسانية فإن بعضهم قد يتجه للجريمة لسداد احتياجاته، وإن حدثت تلك الجريمة فستحدث داخل الكويت، وهو ما يعني الإخلال بأمن هذا الوطن الذي يفترض أن نسعى بكل ما أوتينا من قوة إلى الحفاظ على أمنه واستقراره، ناهيكم عن أن المحتاج داخل الكويت إن لم يسد احتياجه فإن ذلك أيضا قد ينعكس على مشكلات اجتماعية خطيرة، كالطلاق وتشرد الأطفال وغيرها من أزمات اجتماعية ذات كلفة عالية على الدولة.

هذا من جانب، أما الجانب الثاني والمزعج فعلا فهو مساهمة صندوق إعانة المرضى الكويتي بمبلغ 5 ملايين دولار، ألا يعلم هذا الصندوق بحاجة المرضى ممن يعيشون في الكويت للأموال التي تتكفل بمصاريف علاجهم وأدويتهم؟

هل يعلم هذا الصندوق أن كثيراً من الأطباء الكويتيين يقتطعون جزءا من رواتبهم لسداد احتياج بعض المرضى المحتاجين لتدخل علاجي لا يحتملون تكاليفه؟ أم أن إعانة المرضى بالنسبة إليهم هي توزيع ملصقات بشعة المنظر داخل المراكز الصحية والمستشفيات؟

أما فيما يخص جمعيتي الإصلاح وإحياء التراث، فأن تملك جمعيات نفع عام تهيمن عليها أحزاب سياسية مبالغ تمكنها من التبرع بعشرين مليون دولار فائضة عن حاجاتها هو مؤشر خطير لا يمكن تجاوزه أو تجاهله، بل يدق ناقوس خطر ويثير علامات استفهام كبيرة تستحق فعلا الوقوف عندها.