قبل أسبوع نشرت "بي بي سي العربية" موضوعاً مميزاً تحت عنوان "ستة بلدان يعيش سكانها في ظل حكومة رشيدة"، وهو الموضوع الذي حصد اهتماماً واضحاً من الجمهور، وكان من بين "الأعلى قراءة".

سأفترض أن كثيرين ممن راقت لهم قراءة هذا الموضوع اهتموا في المقام الأول بمعرفة أسماء تلك البلدان التي حظيت بـ"حكومات رشيدة" كما تقول "بي بي سي"، وسأفترض أيضاً أنك تريد أن تعرف، إن كانت قراءة الموضوع قد فاتتك... حسناً، إن تلك البلدان هي الدنمارك، ونيوزيلندا، وكندا، واليابان، وبتسوانا، وتشيلي.

Ad

وقبل أن تأخذك المفاجأة لوجود دولة إفريقية وأخرى في أميركا اللاتينية ضمن تلك البلدان، عليك أن تعرف المؤشرات التي استندت إليها "بي بي سي"، ومؤسسات بحثية عالمية مهمة ومعتبرة، والتي بمقتضاها تم منح حكومات تلك البلدان صفة "رشيدة".

يوضح الموضوع المشار إليه أن ثمة مؤشرات تخص السياسات الاجتماعية المتقدمة، ومستوى الثقة بالحكومة، والنظام القضائي الفعال، حققت فيها تلك البلدان تقدماً مطرداً، وحافظت على مراكز متقدمة في القوائم التي تصدر بشأنها لأعوام متتالية.

سيمكننا أن نختلف حول طبيعة تلك المؤشرات، والمنهجية التي تم اتباعها لقياسها على نحو أمين، لكننا نعرف أن تلك الدول بالفعل استطاعت أن تجنب شعوبها الويلات التي تعرفها منطقتنا، وأن تحافظ على درجة من التماسك والإنجاز قياسية، وأن تحظى بمكانة واحترام دوليين.

تتفاوت التحديات التي تواجهها كل دولة من تلك الدول، وربما يخوض بعضها صراعات، لكنها حافظت على إرادة سياسية مكنتها من إدارة تلك المخاطر، بشكل فعال، حقق لمواطنيها الرفاهية والأمن والاستقرار.

ربما لا توجد دولة في العالم لا تعرف المشكلات أو تخوض الصراعات أو تواجه التحديات؛ ومع ذلك فإن درجة الرشد التي ينطوي عليها الحكم يمكن أن تكون العامل الأهم في حسم تلك المشكلات وتجاوزها، بالشكل الذي يُبقى الدولة آمنة مستقرة ومواطنيها في رفاهية.

الأمر يبدو مختلفاً في منطقتنا، ومع التسليم بأنها منطقة ذات وضع خاص، على صعد التنمية والأمن والتطور الديمقراطي، فإن أداء الحكومات "غير الرشيدة" يبدو أهم عوامل الخلل والصراع، وهو خلل تدفع أثمانه الشعوب.

تشهد إيران الآن موجة من الاحتجاجات الشعبية التي تنطلق من مظالم موضوعية، لكن مرشد الجمهورية خامنئي يلقي باللوم على "أعداء البلاد"، ويتهمهم بإشعال تلك الاحتجاجات.

قادة الحرس الثوري أيضاً يؤكدون ذلك؛ فهم يعتقدون أن النظام مستقر، وشعبيته كبيرة، وإنجازاته عظيمة، لكن دولاً مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، وجماعات مثل "أسرة صدام حسين"، تحرض ضد الدولة، وتبث الدعايات الكاذبة لتقويض الثقة بها.

الأمر ذاته تتفق عليه المؤسسات السياسية الإيرانية المؤثرة في صنع القرار؛ إذ يرى مجلس تشخيص مصلحة النظام أن واشنطن ولندن وبعض العواصم الخليجية "المعادية" تتحالف مع جماعات مثل "الحركة الملكية"، و"مجاهدي خلق"، من أجل تأجيج الاضطرابات في البلاد.

من يتابع وسائل الإعلام الإيرانية، ويحلل مضامين الخطاب السلطوي في التعليق على الاحتجاجات التي تتفاوت حدتها بين يوم وآخر، يلحظ هيمنة "نظرية المؤامرة" على مفردات هذا الخطاب، وباستثناء الرئيس حسن روحاني، يبدو أن أقطاب النظام متفقون على أن مصادر الفعل الاحتجاجي خارجية.

أنا أصدق النظام الإيراني حين يقول إن ثمة من يتآمر على إيران، وإن الاحتجاجات التي تشهدها البلاد راهناً تجد من يغذيها ويستثمر فيها ويحرض عليها، وإن ثمة انحيازاً واضحاً في التغطية الإعلامية الإقليمية والدولية لتلك الاحتجاجات، بشكل يبالغ في حدتها وأثرها، ويستهدف تأجيجها وتسليط الضوء عليها.

لكنني لا أصدق النظام حين يعتقد أن تلك الاحتجاجات كان من الممكن أن تندلع بسبب هذا الدعم الخارجي ونزعة التآمر فقط، أو أنها يمكن أن تستديم من دون ذرائع داخلية حقيقية نابعة من عجز النظام وأخطائه وطبيعة المجتمع وتطوره.

لطالما كان ضبط الجمهور وتوقع غضبه وتفاديه من فضائل النظم الرشيدة، وهذا تحديداً ما أخفق فيه النظام الإيراني الراهن ثلاث مرات حتى الآن على مدى نحو أربعة عقود، إذ اندلعت الاحتجاجات في 1999 فيما عُرف بـ"انتفاضة الطلاب"، ثم في 2009 بسبب تزوير الانتخابات الرئاسية، ثم نهاية 2017، بسبب مصاعب اقتصادية، وضجر من الانغلاق السياسي وسوء إرساء الأولويات، وللمطالبة بالحريات.

على النظام الإيراني أن يعي أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تُثَور الجمهور في كندا، أو تمول احتجاجات في نيوزيلندا، أو تخلخل الحكم في تشيلي، أو تقوض الثقة الشعبية في النظام الدنماركي، حتى إن أرادات، ومثلها بالطبع بقية الدول الغربية، مهما كان قدر الأموال التي تمتلكها.

وببساطة شديدة، فإن السلوك الإقليمي والدولي الإيراني، وبعضه قائم على التوسع والتدخل في شؤون الآخرين، يخلق عداوات لنظام طهران، وبسبب تلك العداوات تجتهد نظم عديدة في الضغط على هذا البلد ومحاولة إرباكه، عبر تدابير قد تتخذ أشكالاً تآمرية، لكن تلك المؤامرات والضغوط لم تكن لتثمر من دون قابلية للاستهداف، سببها الرئيس البنية التقليدية المنغلقة للنظام، وتوجهه الأيديولوجي الديماغوجي، وسياساته التوسعية، وتفشي الفساد فيه، وعدم قدرته على تلبية احتياجات الشعب.

ورغم أن إيران أمة عظيمة، ذات تاريخ باهر، وموارد ضخمة، ووضع جيواستراتيجي مهم، فإن ثلث شعبها يعيش فقيراً في عشوائيات، ويخرج كل عام إلى سوق العمل ملايين الشبان الذين لا يجدون فرصاً سانحة، فيما تُنفق مليارات الدولارات على مشروعات التوسع والهيمنة السياسية في العراق، وسورية، ولبنان، واليمن.

والشاهد أن أي دولة تتضارب مصالحها الإقليمية أو الدولية مع منافسيها يمكن أن تحظى بأعداء يسعون إلى إرباكها وزعزعة الاستقرار فيها عبر دعم وتمويل "ثورات" أو "انتفاضات"، لكن الدولة التي تخفق في فهم احتياجات شعبها، وتلبيتها، عبر إرساء أولويات منطقية لإنفاق الثروة، وفتح المجال العام لتدافع يفضي إلى سياسات رشيدة، وضمان منافسة سياسية نزيهة وعادلة، وفهم تطلعات الشباب واستثمار طاقاته، ستكون أكثر قابلية للاستهداف والتأثر بمؤامرات الأعداء.

* كاتب مصري