لا تنخدعوا أو تشعروا بارتياح لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، لأن ترامب نفسه لا يزال مصمماً على الانسحاب من ذلك الاتفاق على الرغم من أن ذلك لن يتم بالضرورة بالطريقة التي هدد باتباعها لهذه الغاية، أو بالشكل الذي يخشاه البعض على أي حال.

ويهدف ترامب الى تمزيق أي إنجاز بارز حققه سلفه إضافة إلى دوافع بعض الجهات التي لا تريد أي اتفاقات مع إيران، وهذه الجهات بشكل رئيس هي حكومة جناح اليمين في إسرائيل وأنصارها في الولايات المتحدة.

Ad

ويعرقل جهد ترامب نجاح الاتفاق النووي مع طهران، وهو مستمر، حسب تأكيدات المفتشين الدوليين، في تحقيق منع أي طرق ممكنة لحصول إيران على سلاح نووي، ثم إن بيان ترامب حول هذا الموضوع ينسف كل الشكوك المتعلقة بإيران والاتفاق النووي معها.

وتتمحور أجزاء من بيان ترامب في هذا الصدد حول فكرة قديمة مألوفة، تقول بضرورة التوصل إلى «اتفاق أفضل»، وهي تسعى إلى جسر الهوّة بين واقع اتفاقية ناجحة والرغبة في التخلص من الاتفاقية نفسها، والتي كانت حصيلة مفاوضات طويلة ومضنية اختبرت حدود المساومة والجدوى.

وقد ترك الدبلوماسيون الذين شاركوا في هذه العملية كل شيء على طاولة المفاوضات، ولا يظهر أي طرف من الأطراف الستة في هذه الاتفاقية رغبة في إعادة التفاوض، والأكثر من ذلك، أنها تنص على فشل المفاوضات إذا أعرب أي طرف عن شكوى منها غير متعلقة بها، وبالتالي لن يكون هناك ما يقيد برنامج إيران النووي.

التعويل على الأوروبيين

ويبدو أن رؤية ترامب تقول بالتوصل إلى عملية من نوع ما تعتمد الولايات المتحدة فيها على الأوروبيين من أجل فرض شروط جديدة من جانب واحد على إيران، أو كما طرحها بيان ترامب «السعي إلى ضمان اتفاقية تكميلية جديدة «عن طريق مشاركة الحلفاء الأوروبيين الرئيسيين، وليس من الواضح ما إذا كان ذلك يعني مفاوضات حقيقية مع إيران عبر مجموعة (خمسة زائد واحد) أو أي شيء آخر.

وبالتأكيد لا يوجد ذكر لكيفية إعطاء شيء للحصول على مقابل، وربما ليست لدى ترامب فكرة واضحة حول ما يعنيه ذلك على صعيد عملي، وقد يكون غير مكترث لأن التفسير الأكثر قبولاً هو أن هذه الصيغة هي مجرد خدعة على الطريق نحو تدمير الاتفاق النووي مع إيران.

وبموازاة ما قد تشكله هذه القضية الأميركية-الأوروبية يتحدث البيان أيضاً عن تشريع من جانب الكونغرس يهدف الى التقدم في اتجاه مماثل، وهنا يصعب تخيل ما لدى ترامب من أفكار حول تأثيرات هذا الجانب، لأن الكونغرس لا يستطيع من جانب واحد تغيير الشروط التي وضعت ونفذت عبر الاتفاقية الدولية.

وينص المكون الأول على أن أي مشروع قانون يجب أن «يطالب إيران بالسماح بتفتيش فوري لكل المواقع المطلوبة من قبل المفتشين الدوليين»، وهكذا كيف يختلف ذلك عن الوضع الراهن بصورة محددة ودقيقة؟ ثم إن وكالة الطاقة الذرية الدولية لم تقدم أي إشارة على منع مفتشيها من الدخول إلى أي موقع في إيران أرادوا تفتيشه.

وينص المكون الثاني على «ضمان عدم قدرة إيران من الاقتراب من امتلاك سلاح نووي»، والسؤال هنا هو كيف يمكن تحديد صيغة «الاقتراب» هذه؟ الاتفاق أبعد إيران بالتأكيد عن القدرة على صنع أسلحة نووية.

ويشير المكون الثالث الى فقرات «الغروب» التي تنطبق على بعض التزامات إيران بموجب الاتفاق، والتي لم يتمكن البيان من ذكر كيفية ديمومة أهم بنود الاتفاق المتعلقة بمنع طهران من امتلاك أسلحة نووية، ويهدد ترامب بوضوح بأنه سينسحب من هذا الاتفاق إذا لم تتم تلبية مطالبه، وماذا سيحدث إذا لم تتحقق مطالبه؟ وهل يتم ذلك اذا انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق كما يحلم ترامب؟

وينص المكون الرابع على أن «التشريع يجب أن يذكر بوضوح في القانون الأميركي– لأول مرة– إمكانية إجراء تفتيش على الصواريخ الطويلة المدى وبرامج الأسلحة النووية مع تعريض إيران لعقوبات شديدة في حال تطويرها واختبارها للصواريخ، ويفترض هذا قدرة الكونغرس الأميركي على إبطال الحقيقة المادية لبرامج الأسلحة، ويمكن القول أيضاً إن هذا يفترض قدرة الكونغرس على إلغاء قوانين الفيزياء. بمعنى أن بعض الصواريخ الباليستية ليست قادرة على حمل رؤوس نووية، وليس بالإمكان الفصل بين برامج الصواريخ الطويلة المدى والأسلحة النووية، كما أن الكثير من برامج الصواريخ– بما فيها الإيرانية– تخدم أغراضاً استراتيجية وعملية ردع لاعلاقة لها بالأسلحة النووية.

وما من أحد يعلم إذا كان ترامب سينفذ تهديده بالتوقف عن العقوبات النووية والانسحاب من الاتفاق مع إيران إذا لم تتم تلبية مطالبه.

انتهاك الاتفاق النووي

لقد انتهكت إدارة ترامب في الأساس روح الاتفاق النووي ونصه مع إيران من خلال حث الدول الأخرى الأعضاء في مجموعة العشرين على إنهاء العلاقات التجارية مع طهران، وهذا خرق للالتزام بموجب الفقرة 29 من الاتفاق النووي التي تنص على «تجنب الأطراف الموقعة لأي سياسة تهدف بشكل محدد الى التأثير بصورة مباشرة ومعاكسة على تطبيع العلاقات التجارية والاقتصادية مع إيران، وتخالف التزام تلك الأطراف بعدم تقويض التطبيق الناجح للاتفاق النووي». وكلما زاد عدد العقوبات الإضافية على إيران– بذريعة أسباب غير نووية– أبطل ذلك تأثيرات التخلص من العقوبات النووية.

وحتى نشر الشك حول مستقبل الاتفاق النووي ينطوي على تأثيرات اقتصادية– من خلال زرع القلق في القطاع الخاص إزاء القيام بأعمال تجارية جديدة مع إيران– وهو ما يجعل الاتفاق النووي أقل جاذبية بالنسبة إلى طهران، ثم إن التأثير الإجمالي لإجراءات إدارة ترامب العدائية– بما في ذلك الإجراءات الرسمية– يشابه ما قامت به تلك الإدارة إزاء إنجازات أخرى رئيسة حققها سلفه باراك أوباما مثل قانون الرعاية، وقد مضت تلك العملية إلى حد دفع ترامب في الشهر الماضي إلى القول «نحن ألغينا بشكل أساسي قانون أوباما كير» للرعاية، ولكن ترامب لا يستطيع قول ذلك عن الاتفاق النووي مع إيران، ولكنه يمضي في ذلك الاتجاه على أي حال.

وستكون مأساة أن يسقط إجراء يخدم مصالح الولايات المتحدة والأمن الدولي وعدم الانتشار النووي ضحية لحملة تدمير مدفوعة بحوافز مثل ما يطرحه ترامب الآن.

● بول بيلار