في كتابه الجديد يبيّن د. وجيه كوثراني سمات السلطنة العثمانية وخصائص مجتمعها التقليدي، من خلال دراسة مفهوم الدولة السلطانية في التاريخ الإسلامي، ومدخل مفاهيمي لمعالجة إشكاليات ترتبت على التقاطع بين صيغة الالتزام في النظام العثماني القديم والإدارة العثمانية الجديدة التي اعتمدت على التنظيمات الجديدة، وعلى التداخل والتمايز بين نظام الملل والامتيازات الأجنبية، وأثر ذلك في المجتمع، كذلك في العمل السياسي العربي الحديث من خلال تقاطعه مع الإستراتيجيات الغربية قبل الحرب العالمية الأولى. ذلك كله، بحسب كوثراني، شكّل حالة تاريخية مأزقية في تحوّلات السلطة والمجتمع، يحاول تفسيرها من خلال تكوّن وسائط السلطة بين الأطراف والمركز، وبين القديم والجديد.

Ad

المسألة ومصادرها

في المدخل {المسألة والمصادر والمصطلح والمنهج}، يتناول كوثراني المسألة قيد الدراسة ومصادرها ومصطلحاتها ومناهج البحث فيها، فيما يركز في الفصل الأول {الدولة العثمانية قبل التنظيمات: مؤسسات التاريخ الإسلامي ووسائط السلطة بين المجتمع وأهل الدولة}، على التبرير الفقهي للدولة - العصبية في التاريخ الإسلامي، والمؤسسة الدينية بين الدولة والمجتمع، والتنظيم الحِرفي وطرائق الصوفية، والإقطاع العسكري ودوره الوظيفي بوصفه سلطة بين المجتمع والدولة، والعصبيات والسلطات المحلية، والمِلل غير الإسلامية وبدايات الوعي القومي، ومسألة الاستقلال الوطني.

أما في الفصل الثاني {دولة التنظيمات وأنماط السلطة}، فيبيّن كوثراني أهداف التنظيمات، ويقارن الإدارة الجديدة بالنظام القديم، ويتناول العلاقات بين سلطة المدينة والريف بناءً على أمثلة من واقع العلويين والدروز والبدو، فيقول إن {تاريخ هاتين الطائفتين في جبال النصيرية وجبل حوران يكاد يكون تاريخ سلسلة من أشكال المقاومة ضد التدخل العثماني المتمثل في إصرار الولاة العثمانيين على إلحاق هذه المناطق ضمن نطاق الالتزام الضرائبي، الذي كان يقوم به غالباً مرابو المدن وتجارها، وفي مرحلة التنظيمات ضد سيطرة الإدارة الجديدة التي حملت إلى السلطة الفئات الاجتماعية نفسها، وحاولت أن تلحق بها المناطق الممانعة إلحاقاً مباشراً بمعزل عن دور الوسطاء المحليين، وبمعزل عن إجراء أي إصلاح أساسي قادر على الجذب والإرضاء}.

العمل السياسي الحديث

في الفصل الثالث، {بدايات العمل السياسي الحديث في ظل التنظيمات والسلطان الفردي}، يبحث كوثراني في الأوضاع الدولية لنزعتَي الاستبداد والمعارضة في الدولة العثمانية، فضلاً عن مقولة الوطن السوري من بيروت - ظاهرة المنشورات؛ فبيروت شهدت في 1881-1880 دعوة سرية عنيفة إلى الثورة على الأتراك، وظهرت منشورات بلا توقيع، كُتبت بخط اليد وعُلّقت على جدران بيروت وصيدا ودمشق، تضمّنت مفاهيم سياسية جديدة تُبرز فكرة الوطن السوري على نحوٍ موازٍ لما طرحه العثمانيون الجدد عن فكرة الوطن العثماني. كذلك يتناول في هذا الفصل فكرة الاستقلال السوري وصداه في تقارير القنصل الفرنسي في بيروت، ومسألة السياسة في النشاط الثقافي: حركة المجتهدين في دمشق، وأشكال العمل السياسي في الخارج (أوروبا – مصر) واتجاهاته.

إصلاح واستقلال

في الفصل الرابع، {نزعة الإصلاح والاستقلال في العمل السياسي في العهد الدستوري: السياقان المحلي والدولي، 1908-1914}، يبحث كوثراني في حركة الإصلاح في ولاية بيروت، والمؤتمر العربي الأول (1913)، والسياسات الدولية تجاه العمل السياسي المحلي (سورية والموقف الفرنسي)، ويورد استنتاجات من نظام الولايات في مرحلة التنظيمات في عام 1864 إلى نظام الولايات الجديد في العهد الدستوري عام 1913.

ويختم الفصل مسلطاً الضوء على الصورة المعقدة لمرحلة الانتقال من العثمانية إلى الدولة الجديدة؛ {صورة ينفجر فيها الوضع الدولي في حرب كبرى، وتختلط فيها البرامج المطلبية المحلية، وترتبك المقاومة الشعبية، ويتموّه مشروع السيطرة الغربية بصيغ وشعارات.

من المأزق إلى التعددية

في خاتمة الكتاب {من مأزق المشروع العثماني إلى تعدّدية السلطات ومشروعات الدول}، يوضح المؤلف أن ما يراه العقل الإستراتيجي الغربي ثوابت شرقية أو خصائص دائمة للاجتماع العربي - الإسلامي، لا يعدو كونه إحدى حالات التفكك التي آل إليها الاجتماع الإسلامي - العثماني في مرحلة انحطاطه ومرحلة اختراقه الغربي.

وجيه كوثراني

المدير العلمي للإصدارات في {المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات}، حاصل على دكتوراه في التاريخ من جامعة السوربون في باريس، وأستاذ سابق في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية (2005-1975). صدر له: {الاتجاهات الاجتماعية - السياسية في جبل لبنان والمشرق العربي (1976)؛ وبلاد الشام في مطلع القرن العشرين: السكان والاقتصاد وفلسطين والمشروع الصهيوني، قراءة في وثائق الدبلوماسية الفرنسية (1980)؛ والفقيه والسلطان: جدلية الدين والسياسة في تجربتين تاريخيتين العثمانية والصفوية - القاجارية (1989)؛ ومشروع النهوض العربي: أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني (1995)؛ والدولة والخلافة في الخطاب العربي إبان الثورة الكمالية في تركيا (1996)؛ وبين فقه الإصلاح الشيعي وولاية الفقيه (2007)؛ وتاريخ التأريخ: اتجاهات - مدارس - مناهج (2012)؛ وإشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية: من لبنان الملجأ إلى بيوت العناكب (2014)}.