إذا كان ثمة درس على العالم أن يتعلمه من «الثورة الخضراء» في إيران في سنة 2009 وما يدعى الربيع العربي الذي أعقبها فهو أن الأنظمة الأكثر سوءاً تستمر في البقاء، والحكام الذين يتسمون بقدر عادي من الترويع (زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر) يمكن إطاحتهم بثورة، وأولئك الذين يريدون قتل كل مواطنيهم يستمرون في الحكم، وهكذا نحن ندخل سنة 2018 وبعد نحو نصف مليون قتيل يستمر بشار الأسد رئيساً في سورية وحكم الملالي في إيران يدنو من الذكرى الأربعين لسيطرته على السلطة في عام 1979.

ظهرت قبل أيام فرصة لتعلم هذا الدرس من جديد عندما انطلقت التظاهرات في شوارع إيران، وتساءل العالم أي تاريخ قد يعيد هذا العمل، ثورة مضادة لعام 1979؟ أم مجرد إعادة للاحتجاجات التي قمعت بقسوة في تلك السنة؟

Ad

كانت أصول وأسباب موجة الاحتجاجات الأخيرة موضع خلاف ونزاع، إذ تقول حكومة طهران بوجود تدخل أجنبي في العملية، فيما يحذر آخرون من رجال دين أكثر تشدداً من النظام الحالي، ولكن معظم التقارير تشير الى أن المحتجين بدؤوا بإبراز مضاعفات ارتفاع مستويات المعيشة في البلاد، كما اشتكوا بشكل محدد من استخدام الحكومة للأموال التي حصلت عليها نتيجة رفع العقوبات الاقتصادية عنها ليس لمساعدة الشعب الإيراني بل لمتابعة طموحات إقليمية أوسع. وتقاتل القوات الإيرانية في الوقت الراهن في اليمن وسورية ولبنان، ورغم هذا فلا يزال هناك من يزعم عنها أنها ليست توسعية.

وتتعرض إيران الى درجة متدنية من النمو ومستويات عالية من البطالة، وتضخم يصل إلى 10 في المئة، وعدم توافر الكثير من المواد الأساسية مثل البيض والحليب وبصورة متزايدة.

العامل الأكثر أهمية

ولكن العامل الأكثر أهمية يتمثل بتحول المحتجين بسرعة لافتة من انتقاد الحكومة إلى عداء النظام الإيراني بصورة علنية، وقد ردد متظاهرون خارج بوابة جامعة طهران شعارات مناوئة للمرشد علي خامنئي منها «الموت للدكتاتور» وترددت شعارات «الموت لحزب الله» الذي يقاتل في الوقت الراهن في لبنان والعراق وسورية في مشهد وكرمنشاه. وبعد عدة أيام بدا أن النظام شعر بقلق من هذه الاحتجاجات في حين كانت الاحتجاجات في سنة 2009 مقتصرة على العاصمة طهران فقط.

وعلى الرغم من ذلك فإن من يتوقع أن تفضي هذه المظاهرات الى تغيير سريع في طبيعة الحكومة الإيرانية انما يغفل تذكر التاريخ، وبعد وقت قصير من اندلاع الاحتجاجات قامت قوات الأمن الإيرانية بمن فيها عناصر وزارة الاستخبارات والأمن بتصوير الأحداث، وفي إيران تماثل آلات تصوير النظام خطر القناصة ماعدا أنها متأخرة بقدر أكبر، وكما كانت الحال في سنة 2009 ستستخدم الشرطة الصور لاعتقال المتظاهرين إضافة الى أفراد عائلاتهم الذين لم يشاركوا في المظاهرات، كما ستحدث محاكمات صورية وإعدامات، وهي الطريقة التي يتبعها الحكم في إيران الذي استمر أربعة عقود من الزمن، وفي عام 1979 كان تصرف جهاز الشرطة السرية (السافاك) التابع للشاه الحافز لاندلاع الثورة، وقد نسخ الملالي عمل السافاك وتعملوا من أخطائهم.

وكل من يشك في قدرة المرشد الأعلى على التشبث بالسلطة عليه أن يشاهد التغطية التي صدرت للحشود في مدينة راشت وهي تتقدم في الشوارع في الأيام الأولى للاحتجاج، وكيف قامت قوات الحرس الثوري بمهاجمة المحتجين، وهذه القوات مجموعة من القتلة المدربين تستهدف المدنيين المسالمين الغاضبين، وتم اعتقال أكثر من 600 شخص وقتل العشرات، ولذلك ليس أمام المدنيين أي فرصة للنجاح.

هذا ولم يظهر العالم الخارجي اهتماماً بهؤلاء في محنتهم، وفي الساعات الأولى من الاحتجاجات حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تغريدة على «تويتر» السلطات الإيرانية من أن الولايات المتحدة تراقب عن كثب أي انتهاكات تحدث لحقوق الانسان. ومن جديد قرر ترامب ألا يكرر تصرفات سلفه باراك أوباما الذي تردد تماماً في التحدث عن الثورة الخضراء.

قد يكون لبعض الحذر من المجتمع الدولي ما يبرره، ووزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون أعرب عن «قلقه» إزاء الأحداث، ولكنه حرص على عدم المضي الى أكثر من ذلك، وكان جونسون الذي عاد أخيراً من طهران حيث كان يسعى الى اطلاق سراح المواطن البريطاني من أصل إيراني نازانين زخاري-راتكليف الذي أمضى في الاعتقال 18 شهراً في إيران.

في أماكن أخرى

وفي أماكن أخرى أشار الصمت إلى جوانب مختلفة، وفي سنة 2015 وافق مجلس الأمن الدولي على اتفاق مع إيران للحد من برنامجها النووي، وتمثلت حوافز طهران في تحرير التجارة والحصول على مليارات الدولارات، وكانت الحكومات والشركات الأوروبية تأمل أن تنال ثروات من خلال ذلك الاتفاق، فيما التزمت المسؤولة عن السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني بالصمت إزاء الثورة في إيران، ولم تقل حتى إنها كانت تراقب الأحداث عن كثب.

وحتى إذا أطيح بنظام طهران ذات يوم وهو بعيد في الوقت الراهن توجد أجنحة منافسة داخل إيران لتحقيق نتيجة لا يمكن التنبؤ بها كما حدث في سنة 1979، وإذا كان الشعب الإيراني يريد الحرية فعلينا أن نتمنى له التضامن والحظ والتوفيق، فهو في حاجة الى ذلك، وهذا الشعب يواجه نظاماً ليس مزعزعاً رئيساً للاستقرار في المنطقة فقط، بل إنه يمثل طبقة تتصرف بقسوة، وذلك النظام سيظل في السلطة بكل تأكيد طالما ظل العالم مشوشاً ومتعاطفاً كما كان طوال الأيام والسنوات الأخيرة.

* دوغلاس موراي - «ذي سبكتيتر»