كنت من أوائل من زاروا السودان بعد يوم واحد من الانقلاب الذي كان غير واضح الملامح عام 1989 وقاده عمر البشير، تصور كثير من المسؤولين المصريين وقتها أن القادم نظام صديق، ولم يمر كثير من الوقت حتى ظهرت ملامح النظام الجديد وهويته التي ارتبطت بتيار الإسلام السياسي، وظل هذا الملمح هو الأساس في كل مراحل تقلبات النظام الأساسية والتحالفية.

ورغم فترات التقارب التالية ما بين النظامين، أو ما بدا أنها تقارب، لم يختف أبداً عن المشهد ذلك الشعور الطاغي بتوجهات يخالف فيها النظام السوداني الجديد النظام المصري، ورغم اتفاقيات التكامل ظل ما في القلب حاضراً ومؤثراً في أوقات كثيرة، ويمكن هنا استدعاء الكثير من المواقف وخطب الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك التي تحدث فيها عن هذه الخلافات، ولكن في الوقت ذاته استمر يؤكد أهمية التعاون والتقارب والعمل على تقليل فجوة الاختلاف.

Ad

أحد ملامح النظام السوداني أنه عاش طوال فترة وجوده التي اقتربت من ثلاثين عاماً على وقود الأزمات، فقد شكل ما واجهه النظام من مشكلات وحروب وحصار وضغوط دولية وإقليمية سببا رئيسا في بقائه، بل إن بعض المراقبين قد ذهبوا إلى حد الاعتقاد بأن النظام نفسه يسعى في أحيان عديدة إلى اختلاق أزمات لضمان التفاف شعبي أو لتبرير سلوك قمعي داخلي.

يقيناً العلاقات بين البلدين فيها مشكلات سياسية كثيرة، ومواقف الحكومة السودانية أقرب لسوء النية في أكثر من ملف يخص مصر سواء ما يتعلق بسد النهضة أو بترسيم الحدود، خصوصا بعد أن أصبح السودان الرسمي جزءا من سياسة المحاور في المنطقة، واختار التحالف مع كل النظم التي لديها علاقات سيئة مع مصر.

على الرغم من إدراك هذه الحقائق فإن الإدراك المصري الرسمي لأهمية استقرار العلاقة مع السودان ظل حاكماً للسلوك المصري، حتى آلت الأمور مؤخراً إلى قرار السودان بسحب سفيره من مصر، الخميس 4 يناير بغرض التشاور. لم يكن التراشق الإعلامي بين البلدين إلا سببا زاد من تعقيد الأمور، وما أراه أنه كان لابد ألا يقع الإعلام في مصيدة ضرب العلاقات بين البلدين وترك المساحة للدبلوماسية لإدارة هذا الملف المعقد، وإذا كان هناك تدخل من الإعلام فالواجب أن يكون شارحاً بهدف صيانة العلاقة بين الشعبين لا النفخ في نيران الاختلاف واستخدام طرح عنصري وفوقي من بعض الإعلاميين المصريين أحيانا، وطرح عصبي ضيق الأفق من إعلاميين سودانيين أحيانا أخرى، وغياب الحصافة والدبلوماسية عن مسؤولين سودانيين في التعبير عن مواقفهم أو غضبهم عدة مرات.

وبإلقاء نظرة سريعة على التسلسل الزمني لتوتر العلاقات بين البلدين، يأتي توجيه البشير اتهاما رسميا للحكومة المصرية بدعم الحركات المسلحة السودانية المتمردة، حين شدد على أن "قوات الجيش والدعم السريع غنمت مدرعات ومركبات مصرية استخدمها متمردو دارفور في هجومهم على الولايتين"، مؤكدا أن القوات المهاجمة انطلقت من دولة جنوب السودان ومن ليبيا على متن مدرعات مصرية، وهو ما نفته مصر في بيان رسمي، ثم تأتي المقابلة التلفزيونية التي أججت الأزمة، حين صرّح وزير الخارجية السوداني إبراهيم الغندور قائلا: "نحن والمصريون حبايب إلى أن نصل إلى حلايب"، مؤكدا في مقابلة مع "روسيا الْيَوْمَ": "أن السودان لن يتنازل عن منطقة حلايب".

وحينها نقلت وسائل إعلام سودانية بيانا للخارجية السودانية تقول فيه إنها أخطرت الأمم المتحدة برفض الخرطوم "ما يعرف باتفاقية تعيين الحدود البحرية بين السعودية ومصر"، وتشدد فيه على "كامل رفضها لما ورد فيها من تعيين للحدود البحرية المصرية بما يشمل إحداثيات لنقاط بحرية تعتبر جزءا لا يتجزأ من الحدود البحرية لمثلث حلايب السوداني".

وردا على ذلك أكدت الخارجية المصرية "رفض مصر القاطع لما انطوى عليه الخطاب من مزاعم حول السيادة السودانية على منطقة حلايب وشلاتين أو الادعاء باحتلال مصر لها".

هدأت الأمور نسبيا، ثم اشتعل تراشق إعلامي مجددا، حين قررت الخرطوم منح تركيا، جزيرة سواكن الواقعة في البحر الأحمر شرقي السودان كي تتولى إعادة تأهيلها وإدارتها لفترة زمنية لم يحددها، أثناء زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وأثار قرار السودان معركة إعلامية بين البلدين، فانتقدت صحف مصرية ذلك القرار واعتبرت أن الخرطوم "فتحت موانئها لانتقال سلاح الإرهاب والإرهابيين إلى مصر"، وردت الوسائل الإعلامية السودانية بهجوم مضاد.

وفي غضون ذلك نشرت صحيفة "أديس فورشن" الإثيوبية عن مصادر (لم تسمّها) أن مصر طلبت من إثيوبيا استبعاد السودان من مفاوضات سد النهضة، وترجمته عنها وسائل إعلام سودانية، لترد الخارجية المصرية بالنفي، وتدعي صحيفة أخرى أن "مصر اعترضت على استغلال السودان حصته كاملة من المياه"، ويسكب مسؤول سوداني آخر بنزيناً على نار الخلاف عندما قال إن استمرار ما أسماه "العدوان المصري" على مثلث حلايب يهدف إلى جر السودان للدخول في اشتباكات مباشرة مع مصر، وأن "مصر تسعى إلى خنق السودان وإيقاعه في فخ الاستعمار".

ولذلك لسان حال الحكماء الْيَوْمَ يقول: "الإعلام لا بد أن يبتعد عن التدخل بهذا الشكل المثير للفتن في العلاقات بين مصر والسودان".