أخبرينا عن روايتك «خرجنا من ضلع جبل» التي فازت بجائزة الإمارات للرواية أخيراً.

هي رواية البلدة المصابة بلعنة الخطيئة الأولى وتوارث العقاب عبر الأجيال ولا أحد يلتفت إلى النور في آخر النفق. بلدة عوقبت بأن تنجب نساؤها أطفالاً في هيئة الكهول، ثم لا يلبث الطفل الكهل أن يموت، وكأن البلدة كتب عليها بانقطاع النسل، ولكن بصورة مبهمة تكتنفها الألغاز، وكلما سعت الشخصية «هند» في البحث والتفسير في المقابر عن تعويذة هذه الولادات الخاطئة، زاد الأمر تعقيداً وتكاثر موت الكهول.

Ad

تأتي روايتك «خرجنا من ضلع جبل» بعد روايتك الأولى «آخر نساء لنجة»، ماذا طرأ على تجربتك الإبداعية، رغم ما حققته روايتك الأولى من نجاح؟

بنيت تفاصيل «آخر نساء لنجة» وفقاً لانعكاسات واقعية تقترب إلى المتخيل التاريخي. جاء كل ما في الرواية فعل واقع متعثر بتاريخ المكان الغائب والذاكرة الضبابية غير المكتملة والشخصيات المتخيلة، هو واقع سحري شاعري مغموس بالافتراض والرمز. أما في روايتي القصيرة «خرجنا من ضلع جبل» فخضعت لمزاج الحاجة إلى فك رموز الحقيقة المحيرة. كتبتها وأنا واقعة تحت إلهام المكان السوريالي الذي ينشد أسطورة ما غامضة، خرافة متوترة في الخطيئة والموت والحب والعقاب.

إلى أي مدى تتعايشين مع أبطال روايتك، وهل تضفين عليهم بعضاً من صفاتك الشخصية أم يحددون مصائرهم بأنفسهم؟

الرواية جهد نفسي وروحي قبل أن تكون فعلاً إبداعياً، ومن الطبيعي جداً أن الشخصيات التي يكتبها الروائي والعوالم التي يبتدعها سردياً تخلق في داخله حالات من التعلق بشخصياته، لا يمكن أن تحمل الشخصية ملامحي كلها أو جزءاً من عالمي، وإنما من الممكن جداً أن أغمس داخل الشخوص حيزاً غائماً من تصوراتي وأحلامي، وأعتقد أن كثيراً من الكتاب يتحفظون، ويحاولون أن يغلفوا رواياتهم بأغلفة تبعدها عن حقيقتهم، لأن كتاباتهم تكون على المستوى الشعوري، ولو كان الأمر على مستوى لا شعوري لظهرت حقيقة شخصية الكاتب رغماً عنه.

ماذا عن مجموعتك القصصية «قبر تحت رأسي» ؟

أستلهم في «قبر تحت رأسي» سحر إمارة رأس الخيمة وأسرارها ومقابرها الهائلة وطبيعتها الامتزاجية والمتنوعة من بحر وجبال وأودية تشق الصدى في الشتاء، ومزارع تنهض في خصوبة الأرض. واتضح لي أن رأس الخيمة شكلتني وفق مزاجية بيئتها المتنوعة، فتنوعت القصص ما بين الواقعية والسحرية والكابوسية أيضاً.

الرواية في الإمارات

كثير من الكتاب الإماراتيين بدأوا تجاربهم بكتابة تمثل واقعهم الاجتماعي والثقافي المحلي في الرواية والقصة ثم توجهوا إلى مواضيع أخرى. هل يمكن اعتبار تجربتك بداية مسار يساير المحلي في هوية الكاتب وشخصيته ويخالفه في تمثّل المعنى والمضمون؟

من موقعي المحدود وتجربتي في دخول عالم الرواية لا يمكنني أن أحدد مساري في التجربة الروائية العامة، ما زلت في طور التكوين والتشكّل والتفاوت بين الواقعية والاجتماعية والسوريالية.

أما في ما يتعلق بالرواية الإماراتية من ناحية الرؤية والمضمون، فقد مرت بأطوار مختلفة تبعاً للتغير الجذري في الدولة والطفرة الحضارية، حتى أصبحت ملتصقة بالقضايا الاجتماعية وهموم الواقع وعبرت عن التحولات والتغيرات المتسارعة التي طرأت على المجتمع بعد اكتشاف النفط، وكانت الموضوعات الروائية في بدايتها منصبة على الحب والوطن والعلاقات الأسرية وصراع المرأة مع الرجل، والتمرد على هيمنة الرجل على البيت الإماراتي وسطوته وقسوته، إلى غير ذلك من موضوعات اجتماعية.

هل ترين أن مثل هذه الكتابات ذات قيمة أدبية في وسط يميل إلى المحلي أكثر ويتفاعل معه؟ أو بعبارة أخرى ما قيمة الرواية الأدبية في الوسط الثقافي الإماراتي؟

روايتنا في الإمارات ليست حديثة، وإنما هي متجذرة في وجداننا وخلايا أفكارنا وفي اللاوعي. عشناها في الصحاري، في العطش والجدب والجوع والفقر وغياب الآباء زمناً في البحر وضياعهم في المدن البعيدة بحثاً عن مصدر رزق. عشناها في خرافات جداتنا الأميّات وذاكرة الأجداد وحكمتهم الشفهية. عشناها قبل أن نحفر أول بئر للنفط وقبل أن يزحف الأسمنت بالمدن والتعمير والتحولات الكبرى، والكثير من الارتباك والأرق والهم والصدمة الهائلة من الانفتاح المجتمعي السريع المفاجئ. فانطلقنا بعد ذلك التحول نفتّش عن ذواتنا المتشظية بين الحديث والقديم في مجتمع أساسه محافظ وملتزم، ونسير بخطوات متعجلة في ميادين الأمل وأحلام الحضارة والتحقق.

لم تكن روايتنا في الإمارات طارئة على تاريخ المشهد الثقافي العربي، إنما هي امتداد لروايات الحضارات والممالك الزائلة والإنسان الأول في شبه الجزيرة العربية، هي انبثاق من حيوات كثيرة وُلِدت على أرضنا قبل التاريخ. الرواية الإماراتية لم تولد بعد قيام اتحاد دولة الإمارات، وإنما دوّنت وسُطِرت وبدأ توثيق الراوي لها بعد الاتحاد وزمن التحولات والنهوض الحضاري والانتقال من المجتمع القبلي إلى المجتمع المدني، وبذلك يمكنني القول إن نواة الرواية في الإمارات أختُزِنت وتكونت وتشكّل جوهرها قبل التاريخ في الصحاري والجبال والعطش والعوز والقحط، ثم بعدما تنفّست الأرض الاتحاد كُتِبت الرواية في المدينة، في الرّواء، بين الحوافز والفرص والأحلام والأمال.

جوائز أدبية

حصدت جوائز عدة في مسيرتك الإبداعية، ما رأيك بالجوائز الأدبية عموماً؟ وهل تراهنين عليها لتحقيق انتشار لصوت الإبداع النسوي الإماراتي خارج حدود الوطن؟

ابتُكِرت الجوائز لتحرك المجال الساكن، والجوائز الثقافية تحرك الثقافة في الإمارات، وكل المتقدمين لها هم أيضاً يشاركون في دفع عجلة الحراك الثقافي وإبرازه على الوجه العالمي. الجوائز والتكريمات والملتقيات والمهرجانات تخصب مناخ القراءة والكتابة والتنافس، وهو أسلوب تنموي درجت عليه الدول المتقدمة في تطوير مختلف آدابها وفنونها.

لا يمكننا أن نتجاهل حاجتنا اللاشعورية إلى الحافز الخارج من الذات والمقدّم من الوطن، أو من القائد، أو من المعلم. حين يكرم الوطن أبناءه فإن معالم النهضة وخريطة المستقبل ترسم بطريقة آمنة وواثقة ومطمئنة، والابن والوطن يسيران بتناغم وثقة.

كيف ترين الحالة الأدبية والوضع الثقافي الإماراتي راهناً؟

الوضع الثقافي إيجابي ونشيط في الإمارات. لدينا اهتمام بارز بالمبدعين الشباب، ووضعهم في بداية الأولويات بتشجيعهم على القراءة والكتابة، وتيسير سبل النشر وتذليل العقبات، ودعم مبادراتهم في الكتابة والتأليف وإشراكهم في الملتقيات والورش التدريبية والتفاعل مع برامجها التي تكثفها الدولة لأجل تطوير المثقف الشاب. تنظر الإمارات إلى شبابها على أنهم قوة الدفع الإيجابية، وبإمكانهم أن يكونوا قادة ورواداً في جعل القراءة والكتابة مجالاً لحركة ثقافية نشيطة في الإمارات، لذا تسعى دائماً إلى تكريس فكرة الإبداع والتحفيز والتميز، وتقدير الكلمة المقروءة.

في سطور

لولوة أحمد المنصوري كاتبة إماراتية من مواليد إمارة رأس الخيمة، حاصلة على درجة بكالوريوس في الأدب العربي، إضافة إلى دبلوم في الإعلام. تحضِّر راهناً للحصول على دبلوم في ترميم المخطوطات والوثائق القديمة. هي عضو في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وفي رابطة أديبات الإمارات، وفي هيئة تحرير مجلة «بيت السرد» الصادرة من اتحاد الكتاب، وفي لجنة تحكيم جائزة الإمارات للرواية في دورتها الثانية.

صدر للمنصوري في السرد: «آخر نساء لنجة» عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، و«خرجنا من ضلع جبل» الفائزة بجائزة الإمارات للرواية، و«قوس الرمل» عن دار العين للنشر، والمجموعة القصصية «قبر تحت رأسي» التي فازت بجائزة الشارقة للإبداع العربي. وفازت مجموعتها القصصية «القرية التي تنام في جيبي» بجائزة مجلة دبي الثقافية، فيما حصدت قصتها «ظلام أبيض عميق جداً» جائزة جمعة الفيروز للقصة القصيرة.