«زين- شين- حوش- جوعان- شبعان»... كلمات فصيحة يستحي منها الأدباء، كما يستحون من كتابة أفعال «يبص- يشوف- يسوق- يدوس» رغم أنها بليغة وأصيلة، فلو أنني استخدمتها في تعليمي من المستوى الابتدائي إلى الجامعي لرسبت في الامتحانات جميعاً، بغض النظر عن أن هذه الكلمات مثبتة في جميع معاجم اللغة العربية. ولقد زاد الطين بِلة ما صوره إعلامنا للرجل العربي في المسلسلات التاريخية بأنه ذاك الرجل ذو الصوت الخامل والنبرة المملة والحركات «النعسانة»... إلى أن أصبحنا نعاني ألم الشعور من الفصل عن كلام أجدادنا العرب... حتى جاء سعادة الدكتور محمد بن علي العمري وأنقذنا من تأنيب الضمير.

فأخيراً نطق أحد متخصصي اللغة ليقول لنا إن العرب كانوا يتحدثون كما نتحدث نحن، بخلاف التأثير التركي على لهجتنا الذي أدخل فيها قاعدة الـ «الجي والچي»، التي تقتضي إرفاق «جي أو چي» للأسماء، فحينما نصف أحداً بأنه كثير المشاكل نقول عنه «مشكلچي»، أو من ينتسب إلى حزب «الإخوان» بأنه «إخوانجي»، أما ما دون هذه القاعدة والمفردات الغربية والفارسية، فنحن ننطق بالعربية كما نطقها أبو لهب وعنترة بن شداد.

Ad

ففي فيديو مشهور بموقع «اليوتيوب» للدكتور العمري في خطبة له يقول إن سيبويه وصف كيفية كلام العرب بقوله: «أما الذين لا يُشبعون فيختلسون اختلاساً ويسرعون اللفظ»، وكذلك قال سيبويه في وصفه لطريقة كلام العرب الحقيقية: «وقد يجوز أن يسكن الحرف المجرور والمرفوع»، مما يعني التخلي حتى عن تشكيل الأحرف، كما هو مطابق لكيفية حديثنا اليوم. وكذلك قال: «وأنشد الأصمعي بيتاً من الشعر فاختلس اختلاسا»، بمعنى أنه لم يُشكل أواخر الكلمات، وقال أبوالعيناء: «سمعت أبا عمر بن العلاء (وهو من أئمة اللغة العربية) يقول: كلامُ العرب الدَرج»، ويقصد بالدَرج، العفوية وعدم التقعر. وأخيراً قال أبو العيناء: «حدثني عبدالله بن سوار أن أباه قال: العربُ تجتاز بالإعراب اجتيازا»، فالعرب لم يتكلفوا تشكيل الكلام. ومسك الختام ما قاله ابن أبي إسحاق: «العرب ترفرف على الإعراب ولا تتفيهق فيه»، فمن أين جاءت هذه الصورة للغة العربية كأنها مومياء ميتة؟!

العثمانيون حرّموا الطباعة، إلى أن تغيرت الظروف وأصبحت الطابعة في سورية ثم مصر في آخر زمن العثمانيين، فابتلانا الله بصيغة فقيرة للغة العربية مازلنا نعانيها. وتلك الصيغة غير الواقعية هي التي أصبحت تطبع بها الوثائق الرسمية الحكومية والمناهج الدراسية لسائر الوطن العربي، وهي مفصولة عن اللسان العربي البدوي في شبه الجزيرة العربية. ولاسيما مع انتشار دروس لعلماء فقه وحديث أعاجم، لهم عظيم الشكر والتقدير، أثروا على تصورنا للرجل الواعظ، فدائماً نتخيله متشدداً في القواعد النحوية، ومُسرفاً في التشكيل، رغم أن النحو تأسس لتفهيم العجم القرآن الكريم وحرصاً على عدم تحريفهم له أثناء قراءتهم.

حتى صورتنا الذهنية للمثقف العربي غير المتدين، هي لشخص يتكلم ببرود متصنع، و»مُمَطِّط» لألفاظه. ألسنا نشعر بأن من يكثر الوقفات في كلامه والمدمن لتعقيد أقواله، هو من يبدو لنا فيلسوفاً لبقاً لا ينطق إلا الدرر؟ فلو أراد «آيس كريم» يقول: «أعطني مقدار قدح من هاتيك «البوظة» يا صاحِ» بحجة أن كلمة بوظة عربية وآيس- كريم أعجمية، رغم أن الأولى تركية لنوع لزج من البوظة، والثانية نوع أوروبي يغلب الحليب على تصنيعه، وكأن ذاك المثقف يتعمد تجاهل أن «العربية» لغة حية، تتعلم جديد الكلمات من أي مكان في العالم وتضمها إليها، فلا عجب أن يضحك العرب على هذا الشكل الممسوخ من اللغة، ولا يقبلونه في أي زمان... فلنهجر اللغة المتكلفة ولنبق على ما فطرنا الله عليه.