مفهوم المصالحة في الأعراف السياسية يعني احتواء حزمة من القضايا الخلافية أو نتائج أزمة أطرافها دخلوا في صدام سياسي؛ إيذاناً بصفحة جديدة تكون باتفاق جماعي لبدء مرحلة مختلفة من العمل السياسي المشترك، وعادة ما تكون السلطة طرفاً رئيساً في أي مشروع للمصالحة الوطنية.

من الصعوبة بمكان تحديد من عليه تقع اللائمة في قضايا المصالحة الوطنية، وهنا تتعدد الاجتهادات، والكل يحاول أن يثبت أنه كان على الصواب في حين كانت الأطراف على خطأ، وهذا النوع من المكابرة قد يعوق خطوات المصالحة أو يعرقلها أو حتى ينسفها، ولذا فإن المصالحة إما أن تكون من طرف واحد، وهو ما قد يعبّر عنه بالعفو العام من السلطة السياسية، إذا كانت تشعر بأريحية وغلبة مرحلية، ولكن تتوجس من مفاجآت مستقبلية، أو أن يمهّد للمصالحة بحوار على درجة عالية من المسؤولية والصراحة والشفافية والإرادة الجادة في وضع تصورات وإجراءات المرحلة الجديدة القادمة.

Ad

تدور هذه الأيام فكرة أو مبادرة مصالحة وطنية تشجعها رغبة جدية بين بعض شخصيات السلطة، وكذلك في أوساط مختلف القوى السياسية والمكونات المجتمعية، حيث أرهقت إفرازات الأزمات السياسية المتعاقبة منذ عام 2011 الجميع، بل أضعفت بنية الدولة وهويتها إلى حد كبير، فالمشاكل المتتالية لم تنحصر في بعدها السياسي بل استغلت واستثمرت فيها مختلف أشكال التعبئة والتحريض طائفياً وقبلياً وعرقياً، لدرجة أن حالات الاحتقان وهيجان الشارع الكويتي عاطفياً أنست الجميع أمهات القضايا التي يعانيها البلد وربما تهدد مستقبله.

هذه التحديات ربما وصلت إلى حد يفرض على الجميع التعالي على الجراج وذلك لسببين: أولهما أنها أكبر حجما وأكثر خطورة من أي خلافات داخلية وبينية، وثانيهما أنها تمس جميع مكونات المجتمع المختلفة حالياً بذات القدر والنتيجة، ولعل رسالة سمو الأمير في افتتاح دور انعقاد مجلس الأمة قد جسّد وشخّص هذه الحقيقة وعبّر عنها بلسان حال كل الكويتيين.

فالأوضاع الإقليمية، التي كانت حجة الحكومة في حل آخر برلمان، هي اليوم أكثر تعقيداً وعمقاً وربما خطورة، وتتطلب بالإضافة إلى التعاطي معها بحكمة وتوازن توحيد الجبهة الداخلية وحمايتها، وترك الخلافات التي من شأنها تعكير الصفو السياسي والمجتمعي.

هذا المتطلب لا يستقيم مع وجود سجناء من مختلف الأطياف في السجون، ربما لأسباب مختلفة، ولكنها تشترك في القاسم السياسي، والمصالحة الوطنية لا تكون على حساب ثوابت الدولة والمكتسبات الدستورية لمواطنيها، وهي قيمة وطنية واحدة في مقدارها ومسؤوليتها وحقوقها وواجباتها، لذا فإن أي جهود للمصالحة الوطنية الحقيقية لا شك أنها مباركة ومحمودة، ويجب أن تكون بعيداً عن أي شروط أو معايير انتقائية ومزاجية، التي يضعها البعض ممن قد يكونون هم أكثر المستفيدين من أي مصالحة قادمة!