تبدو الأحداث في روايتك الأخيرة «باب الدنيا» مليئة بالتناقضات إلى درجة التشويش، فهل تقصدت ذلك؟

Ad

هي تناقضات الحياة الظاهرة لا تناقضات العالم الروائي. الرواية مليئة بالرموز، وبالتأمل في مسارات الأحداث ومصائر الشخصيات التي تأتي غالباً على غير ما تنشده أو تأمله، والهامش المسموح به للإرادة الإنسانية في تعديل هذه المسارات أو العودة بها إلى مساراتها المنشودة ضيق جداً، في مقابل الظروف الخارجية التي تتحكم بشكل هائل في تشكيل هذه المسارات والمصائر. تدور أحداث الرواية في هذه المنطقة تحديداً عبر متابعة مصائر الشخصيتين الرئيستين، إبراهيم جبر، وفتح الله الشحات، على مدار أربعة عقود ونصف العقد، ذلك عبر رصد الضغوط المتتالية التي تعمل على انحراف المسارات عما هو مخطط له، وقدرة الشخصيات أو فشلها في إحداث تغيير، أو في الحفاظ على ما تريده في ظل هذه العوامل الخارجية من تأثيرات وتفاعلات للآخرين، إلى ما نسميه الأقدار، وصولاً إلى الإيمان بقوة عليا ترى المشهد من أعلى وتتحكم فيه.

اكتشاف العالم

إلام يشير العنوان «باب الدنيا»؟ إلى الموت أم إلى الحياة؟

«باب الدنيا» مكان مراوغ ولحظة استثنائية. فالوقوف إزاء باب الدنيا وقوف في المنطقة الفاصلة بين الواقعي والميتافيزيقي، لا يمنح صاحبه فرصة اكتشاف نفسه مرة أخرى فحسب، بل اكتشاف العالم عبر منظور أكثر رحابة من رؤيته الحدية الجزئية. قبل ذلك، في هذه اللحظة التي يعيد فيها النظر إلى تقديره مفاهيم كثيرة كالصواب والخطأ، والمصادفة والاحتمال والفرصة، والموت والحياة، والحدود الفاصلة بين الصدق والكذب، والحقيقة والمجاز، تصبح الرواية بحثاً لاهثاً خلف معرفة شاملة ونظرة كلية تميط اللثام عن جوانب خفية وغير مرئية من حياة الإنسان، وتقبل العالم بتناقضاته الظاهرة ووجوهه المختلفة، حيث المعنى الكامن خلف كل مفردة من مفرداته لا يتناقض مع المعنى الكلي لمفردات العالم مجتمعة.

ألا ترى أن ثمة تداخلاً كبيراً بين الواقع والخيال لدرجة يصعب معها التفرقة بينهما؟

هو أيضاً التداخل الموجود في الحياة، حيث يختلط الواقعي بالخيالي، والميتافيزيقي بالمادي، والأسطوري بالتاريخي، ويصعب التفريق بينهما غالباً، أو معرفة الحدود الفاصلة بينهما على وجه التحديد، ومن ثم يكون الاعتماد على السرد الواقعي وحده مأساة، وضيق أفق، وقصوراً فنياً فادحاً. والرواية الحقيقية في ظني لا بد من أن يختلط فيها الواقعي بالخيالي وإلا اعتُبرت صورة ناقصة ومجتزأة للحياة.

ما حدود التشابه بين شخصية الراوي إبراهيم جبر الطبيب والشاعر وشخصيتك الحقيقية؟

كل كاتب يكتب عما يعرفه، وله الحق في استخدام جوانب من شخصيته ووظيفته والأحداث والملابسات التي يتعرض لها ومشاهداته في الحياة واستخدامها بشكل فني في الرواية، وأنا أعتبر حياتي الشخصية والمهنية أحد الروافد الإبداعية لكتابة الرواية، وشخصية إبراهيم جبر في جوانب عدة منها تخصني، وفي الجوانب الباقية متخيلة.

الحب المستحيل

لماذا لم تستطع شخصيات الرواية الوصول إلى الحب المنشود الذي تبحث عنه وكأنه درب من الخيال؟

فتح الله الشحات، وإبراهيم جبر، وهدى عبد الشفيع، وهالة، وعلياء عبد الحميد، هذه الشخصيات في حالة بحث دائم عن الحب بمعناه الأسمى، إذ يوشك أن يكون محالاً من وجهة نظرهم. فالحب الحقيقي ليس سوى ركض متواصل خلف هدف يقبع نظرياً في منطقة الخيال، وتقريباً لا يبلغه أحد، وغير قابل للتحقق، وإن تحقق فإنهم سرعان ما يكتشفون أن ما وجدوه لم يكن ما يحلمون به. الحب بالنسبة إليهم حلم دائم، موجود دائماً في هذه المنطقة المتخيلة، لكنه ما إن يتحقق أو يصير واقعاً، فإنه لا يصير حباً، وتبدأ من جديد نزعة البحث عنه، فالحب المنشود يعطي الدافع دائماً والمبرر للحياة، على عكس الحب المتحقق الذي يميل إلى السكون.

ألا تخشى عزوف الشباب عن قراءة الرواية بسبب التركيز على الجوانب الفلسفية؟

على العكس. تخاطب راوية «باب الدنيا» الإنسان عموماً، وما تقصده من تأمل ليس مفاهيم غريبة أو محلقة أو مجردة، إنما هي مراجعة لمفاهيم وأمور يومية يمرّ بها كل إنسان، وفي أية مرحلة من مراحل عمره، ثم إنها ليست تأملاً محضاً يبعث على السأم بجفافه، بل هي مجرد تأملات وتساؤلات في أذهان شخوص وفي ثنايا أحداث روائية وموضوعة بدقة حسبما يقتضيه السرد الروائي.

ما مفهومك للرواية؟

الرواية إعادة إنتاج للأسئلة الكبرى، الجبر والاختيار وما بينهما، مسير أم مخير، مادي أم ميتافيزيقي؟ رؤية العالم من منظور واحد أم من مناظير متعددة، أو نظرة أكثر شمولية إلى العالم؟ الرؤية الحادة والمتعصبة أم الرؤية الأكثر تسامحاً إزاء تناقضات العالم واختلافه وتنوعه؟ كذلك البحث عن نظرة تقبل العالم بما هو عليه. وتعبِّر الرواية عن مدى ضيق الرؤية الأحادية للعالم، وتفسح المجال إزاء الرؤى المتعددة، الصوفية والميتافيزيقية والمادية. إنها تناقضات العالم غير المفهومة مؤقتاً، والتي تقبل تفسيرات متباينة، كلها جديرة بالقبول والنقاش والتعايش. تتعايش معاً، وتتصارع، وتتجادل بما يشي بهذه التناقضات الظاهرة.

الألتراس الثقافي

يؤكِّد الأديب محمد إبراهيم طه أن المشهد الثقافي في مصر مرتبك، وثمة حالة من الإغراق الأدبي، إذ نرى إنتاجاً روائياً هائلاً وحركة نقدية تعجز عن متابعته، أو تحجّمه لأنه في غالبيته ضحل وركيك ومتكرر، ناتج عن دخول النشر الخاص في مقابل تراجع دور الدولة، وتأجيل تقييم الأعمال الأدبية قبل النشر والذي كان يتم من خلال لجان قراءة مختصة إلى ما بعد النشر، وتركها لقارئ عام غير متخصص. وجماعات ألتراس ثقافي على شبكات التواصل الاجتماعي صار بإمكانها الترويج لمنتج ما بغض النظر عن قيمته، واختلط الغث بالسمين بفضل مقولات مثل الأكثر مبيعاً الزائفة.

طه أحد كتاب جيل التسعينيات في مصر وهو طبيب، مواليد 1963، صدرت له ثلاث روايات وثلاث مجموعات قصصية، من بينها «سقوط النوار، وامرأة أسفل الشرفة، والعابرون، وتوتة مائلة على نهر». حصل على جوائز عدة من بينها جائزة الدولة التشجيعية، وجائزة الشارقة، وجائزة يوسف إدريس.