يصاب الإنسان بالارتباك والتوتر كلما خرج من سنة آفلة ودخل سنة مقبلة. وهو شعور طبيعي خبره الإنسان منذ أن هبط إلى هذه الكُريّة، وأدار بصره في الأفلاك والنجوم، ورأى الشمس تشرق وتغرب، والفصول تدور وتتعاقب، والكائنات تولد وتنمو وتموت. إنه الزمن الذي أدركه الإنسان البدائي بحدسه، وقننه حين تحضّر بالتقويم والحساب.

وعي الإنسان بالزمن تأسس باكراً، منذ أدرك كونه كائناً عاقلاً، يضجّ عقله بالتساؤلات، وينزع نحو التحليل ومحاولة الفهم، انتهاء إلى بنائه لفكر فلسفي يفسر له الظواهر ويحدد مواقفه منها. الزمن وموقف الإنسان منه تمظهر منذ جلجامش وبحثه عن الخلود، ومنذ تموز وعشتار ومتشابهاتهما من الشخوص الأسطورية المتحدية للصيرورة ودورة الزمن، ومنذ بناء الأهرامات المنتصبة في وجه الموت لا تزال.

Ad

وعلى مستوى هشاشة الإنسان المتوحد، الذي تروّعه فكرة الزمن، جاء الشعر ليبوح بمخاوف الإنسان ورهبته إزاء الأسئلة الوجودية الملغزة، وأكبرها سؤال الزمن والموت. سؤال ظل مطروحاً منذ امرؤ القيس وطرفة وزهير بن أبي سلمى، الذين دخلوا في معترك السؤال الأصعب عن قيمة الحياة في ظل الموت، وعن قيمة الحب وهو يتحول أطلالاً وهشيماً. ثم جاء عمر الخيّام ليطرح فكرة التحايل على الزمن ومخاتلته بالقبض على اللحظة الآنية، والارتواء بالمتع المتاحة ولذّات العيش قبل أن تنقضي. وفي كل الأحوال يظل حسّ الفجيعة كامناً في لبّ هذا الشعر وسويداء قلبه.

في إنجازات الإنسان العصرية وخاصة أفلام هوليوود، هناك طروحات طريفة حول الزمن. وفيها محاولة لمسايرة الإنسان في أمانيه فيما يتعلق بالزمن. فالإنسان منذ نشأته لديه تطلعات جامحة تخص زمنه على الأرض، منها رغبته في بقاء الزمن ثابتاً وغير متغير، وأمنيته أن يعود شاباً بعد شيب، وضيقه بالزمن المثقل بالانتظار أو المعاناة وتطلعه لانقشاعه، ومغامراته الخيالية بالسفر إلى الماضي السحيق أو المستقبل البعيد. وقد أشبعت الأفلام الهوليوودية هذا الشغف، ووجدت له متنفساً، لكنها أيضاً وضعت الإنسان وجهاً لوجه أمام معضلات ومآزق حقيقية، ربما لم يفكر في نتائجها وهو يطلق أمانيه المجنونة والمستحيلة، بل المأساوية.

فيلم Groundhog أو (الجرذ الأرضي)، يعالج مسألة الديمومة، أو الزمن الثابت المستعصي على التغيير، إذ يستيقظ بطل الفيلم كل يوم في الصباح، لتدور أمام ناظريه كل الحوادث اليومية، التي شاهدها بالأمس وأمس الأول واليوم الذي يليه. كل التفاصيل والوجوه والتحركات والأشخاص، كلها تعيد نفسها كل يوم إلى ما لا نهاية. ديمومة لا نهائية تهلك روحه وتتآكل عقله، إلى أن فكّر بالانتحار. ولكن كل أنواع الانتحار التي جربها لم تفده، لأنه يستيقظ من الموت ليرى ذات اليوم يبدأ من جديد!

أما قضية إدامة الشباب إلى الأبد فقد دحض منطقيتها فيلم Bicentennial Man (الرجل ذو المئتي عام). وفكرته تقوم على رجل آلي تمت صناعته بإتقان يقترب من الكائن البشري، ليقوم بخدمة أسرة من الأسر في شؤونها اليومية. وبسبب مصنعيته العالية، يبدأ الرجل الآلي تطوير سمات إنسانية محضة لا تمت إلى الآلة بصلة. مثل المشاعر والأحاسيس والشم واللمس، ثم العمليات البيولوجية كالتفكير والهضم وإخراج الفضلات، بعد أن تم تزويده بأعضاء تعينه على ذلك. ولكن عقدة الفيلم تبدأ حين يظل هذا المخلوق الآلي كما هو دون أن يؤثر فيه مر السنوات والزمن. وبسبب قربه من العائلة التي يخدمها، وتفجّره بالمشاعر يقع في حب الابنة الشابة، التي بدأت تفهمه وتتعاطف معه. لكن العمر مر بها نحو الكهولة، ورآها الآلي وهي تشيخ ويأخذها منه الزمن، فتمزق قلبه ألماً، وتوسل إلى المصنع الذي صنعه أن يزوده بآلية تجعله يشيخ ويموت مثل محبوبته. ثم يأتي ختام الفيلم، لنجد الاثنين يتجاوران في لحظاتهما الأخيرة، ويقول أحدهما للآخر بتسليم ورضى خالصين من الحسرة: "إنها النهاية، لكن لا بأس أن نموت".

المثال الثالث هو الفيلم الشهير The Curious Case Of Benjamin Button، الذي قام ببطولته براد بيت، حيث يعالج مسألة عودة الشيخ إلى صباه، لكنها لن تكون عودة حميدة، حين يولد الإنسان طاعناً في السن، ثم يرجع القهقري نحو شبابه فصباه فطفولته، بينما يرى من حوله ممن يحب يسيرون في الطريق المعاكس. إنها مأساة، إن صنعها خيال سينمائي، فلن يتمناها أحد لنفسه.

يظل الزمن هو الزمن، ابتكار إلهي خارق. قد يدقّ فهمه على الإنسان، ولكنه يظل النظام الأصلح لكون لسنا سوى ذرة هباء عمياء، تسبح في ملكوته.