بعد مرور 56 عاما على صدور الدستور وتعاقب 15 مجلس أمة منتخبا وأكثر من 40 حكومة ما زلنا ننشغل بأبجديات العمل السياسي ومسائل تطبيق القانون والحقوق الدستورية في ظل هاجس تجسيد مفهوم المواطنة الواحدة، وما زال معظم الخطاب العام يستعرض مختلف صور وشواهد الظلم وانعدام عدم تكافؤ الفرص والمطالبة بإرساء قواعد العدالة، وما زال مفهوم الولاء تحوكه أيادي خياطي السياسة كل بحسب رأيه ومزاجه ومصلحته الخاصة.

بعد هذه السنوات الطويلة الكفيلة بتحقيق المعجزات في مسيرة الشعوب والتعملق في مجال التنمية والتقدم والحياة المدنية المثالية أو شبه المثالية، كما هي الحال في أمم دمرتها الحروب مثل ألمانيا واليابان، أو تلك التي ولدت في مستشفى الولادة العالمي نفسه الذي ولدنا فيه كدولة سياسياً مثل سنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية، لا نزال ندور في حلقة دائرية مغلقة، ومفرداتها المتكررة دوماً هي الشيعة والسنّة والحضر والبدو والأصيل والبيسري، وما زال رموز كل فئة يجدون أنفسهم متقوقعين داخل هذا الإطار الضيق، تحت ضغط شديد من قواعدهم التي تطالب بنصرتها وحمايتها الغائبة أو المغيبة من الدولة ودستورها وقواعدها القانونية والمؤتمنين عليها.

Ad

محصلة هذا الشعور الاغترابي في بلد واحد هي بالتأكيد استمرار حالة الاحتقان والشك والريبة واستنزاف الجهد والوقت والتفكير وحتى مستوى العطاء في قضايا يفترض أن تكون هامشية أو طارئة أو محدودة على أقل التقديرات.

هذا التشتّت بدوره يبعثر أيضاً جهود العمل الجماعي في التصدي للقضايا الكلية والمصيرية التي تحدد حاضر بلدنا ومستقبله بمختلف التحديات والصعوبات والمخططات التي تحاك من أجل استنزافه وامتصاص ثرواته ومشاريعه، ولذلك فإنه من الطبيعي جداً ألا نجد أي بوادر أو رؤى لخطط أو برامج تنموية حقيقية، ومن البدهي أن نعيش هذا المستوى المتدني من الخدمات العامة التي تقدمها الدولة لمواطنيها، ومن غير المستغرب أن نرى حقوق المواطن ومكتسباته وحقه في الوظيفة أو التدرج فيها، أو العلاج في الخارج أو تبني مشروع تجاري على قد الحال، تسير في قنوات خاصة ويشترط أن يسعى النواب أو أصحاب النفوذ والحظوة بشكل شخصي جداً من أجل تحقيقها وبالذات للمكون الاجتماعي أو المذهبي الذي ينتمي إليه.

إذا كانت هذه هي طبيعة الحياة اليومية للمواطن أو النائب أو الوجيه الاجتماعي أو التاجر، وهي الدوران في هذه الحلقة الصغيرة، فمن المؤكد ألا يبقى شيء من قوة التركيز والنشاط الذهني والجسماني وحتى الوقت الكافي لمتابعة القضايا المعقدة والكبيرة مثل التنمية وخططها، أو التصدي للآفات الإدارية المتمثلة بالفساد، أو الانتباه للقرارات المفاجئة التي من شأنها أن تخرب بيوتات كثيرة من كل الكويتيين كزيادة أسعار الوقود أو فرض قانون القيمة المضافة أو تخفيض الرواتب والأجور، ناهيك عن السرقات المليونية بشكل روتيني، والتي صرنا نقرؤها كخبر الوفيات فنسترجع عند سماعها وكفى!